رشان اوشي : وجوه خلف الأسوار – شهادة من قلب سجن بورتسودان

رشان اوشي : وجوه خلف الأسوار – شهادة من قلب سجن بورتسودان
السلطة نت – متابعات
– رشان اوشي
في صباح الثامن عشر من مايو 2026، كانت خطواتي تتجه بثقة نحو المحكمة، وأنا على يقين بأن الدعوى المرفوعة ضدي ستطوى صفحتها أخيراً.
عام ونصف من الإجراءات، بين شهود ومستندات ومرافعات، بدا وكأنه يكفي لإغلاق الملف ، لكن القدر كان أسرع من التوقعات؛ فبعد ساعات قليلة وجدت نفسي نزيلة في سجن بورتسودان المحلي.
القضية نفسها لم تعد تعنيني، فقد قالت المحكمة العليا كلمتها وأطلقت سراحي ، لكن ما يستحق أن يُروى ليس الحكم، بل ذلك العالم المغلق الذي انفتح أمامي خلف الأسوار.داخل قسم النساء، سقطت كل الصور النمطية التي يرسمها الخارج عن السجون.
لم أجد مجرد ملفات جنائية، بل وجدت بشراً؛ نساء وفتيات، لكل واحدة منهن قصة أثقلتها الحرب، أو الفقر، أو الجهل، أو لحظة ضعف قلبت مسار العمر. هناك، أدركت أن الحرب لا تقتل في ساحات القتال وحدها، بل تمتد لتصنع جرائم لم يكن أصحابها ليقتربوا منها في ظروف طبيعية.
رأيت فتيات لم يتجاوزن التاسعة عشرة، ونساء من طبقات اجتماعية مختلفة، جمعتهن زنزانة واحدة وفرقتهن الأسباب ، وبين الصياح والضحكات العابرة، كان يتشكل مجتمع صغير، يعكس في تفاصيله صورة مكثفة عن الوطن؛ حرب وفقر وعدالة وظلم وأمل، كلها في مساحة ضيقة ، ورغم قسوة المكان، برز وجه آخر يستحق الإنصاف.
إدارة السجن بدت نموذجاً للانضباط الصارم؛ قانون يطبق على الجميع بلا استثناء، وقائمة ممنوعات لا يُتجاوز فيها شيء. على رأس القسم وقفت الرائد نور حسن والنقيب إقبال، ضابطتان نجحتا في تحقيق معادلة دقيقة بين الحزم والإنسانية، وبين هيبة القانون واحترام الكرامة.
وإلى جانبهما، ضباط صف وجنديات شابات، مثل نادية ومحاسن وإخلاص ومريم وزينب وأمنية، يعملن في مهنة شاقة لإدارة شؤون أكثر من ستين نزيلة.
أما المقدم عبد الكريم، مدير السجن المحلي، فكان قليل الابتسام لكنه حاضر الذهن، منصت جيد، وحاسم حين يتطلب الأمر الحسم. منظومة كاملة تعمل بانضباط، لتصنع مجتمعاً مغلقاً لكنه في جوهره مرآة صادقة للعالم الخارجي.
هذه ليست شهادة عن السجن بقدر ما هي شهادة عن الإنسان حين يُوضع في أقسى ظروفه. وفي الحلقات القادمة، سنقترب أكثر من النزيلات أنفسهن؛ من الحكايات التي لا تنتهي، ومن الوجوه التي تخفي خلفها أسئلة أكبر من جدران السجن.
شارك هذا الموضوع











