اخبار

أزمة الوقود في السودان : 200 كيلو ذهب تشعل تنافس الشركات

أزمة الوقود في السودان : 200 كيلو ذهب تشعل تنافس الشركات – تقرير

 

السلطة نت – متابعة

 

أفادت تقارير صحفية بأن ثماني شركات فقط من أصل نحو 31 شركة كانت تعمل في استيراد الوقود بالسودان استوفت شرطاً فرضه بنك السودان المركزي، يقضي بتقديم ضمان يعادل 200 كيلوغرام من الذهب عيار 21 باسم كل شركة. وفي الوقت نفسه تواجه الشركات المؤهلة صعوبة في الحصول على النقد الأجنبي لسداد قيمة الشحنات، وسط تأخر تفريغ بعض البواخر وارتفاع تكاليف الإمداد.

 

وبحسب مصدر مطلع نقلت عنه المجلة، فإن الشركات الثماني هي النيل ونبتة وبترونور وقادرة والعطا وأسوار وأندونايل والمقرن. وطُبّق الشرط في 16 يونيو ضمن إجراءات تستهدف التحقق من الملاءة المالية للمستوردين، وتشمل توسيع تدخل الحكومة المباشر في الاستيراد وتفعيل لجنة للتركيبة السعرية. وجاءت هذه الإجراءات لمعالجة دخول شركات محدودة الإمكانات إلى السوق، والخلافات حول مجموعات التوريد وتوزيع الحصص، وتنافس المستوردين على النقد الأجنبي.

 

غير أن استيفاء ضمان الذهب لا يعني قدرة الشركة على توفير السيولة لسداد قيمة الوقود، لأن الاستيراد يظل مرتبطاً بتوافر العملات الأجنبية ومواعيد تحويلها إلى الموردين.

 

● الدرهم المدعوم وتأخر البواخر

 

يوفر البنك المركزي الدرهم الإماراتي للمستوردين بسعر تفضيلي يتراوح بين 1400 و1510 جنيهات، مقابل نحو 2263 جنيهاً في السوق الموازية، بهدف الحد من انتقال تراجع الجنيه إلى أسعار الوقود وإبعاد طلب المستوردين الكبير عن السوق الموازية.

 

غير أن شعبة مستوردي المواد البترولية تقول، في ورقة اطلعت عليها المجلة، إن محدودية موارد البنك المركزي تؤخر توفير العملة لسداد الموردين حتى بعد التعاقد، فيتأخر تفريغ بعض الشحنات وتتراكم تكاليف الانتظار. وتزيد هذه الحلقة الضغط على الشركة حين يحين موعد فاتورتها، إذ قد تضطر إلى تدبير العملة على عجل من السوق الموازية، فيرتفع الطلب على النقد الأجنبي ويتأثر سعر الصرف.

 

وفي سياق متصل، أظهرت صور الأقمار الصناعية (سنتينل-1 وسنتينل-2) خلال سبتمبر وصول ثماني سفن إلى ميناء الخير ببورتسودان، بينها أربع ناقلات لغاز الطبخ وأربع للمنتجات النفطية والمواد الكيميائية. ولا يثبت الرصد وحده أن السفن كانت متأخرة عن التفريغ بسبب مشكلات التمويل.

 

ووفق نموذج قدمه المستوردون، قد تبلغ غرامة انتظار باخرة تحمل 50 ألف طن نحو 45 ألف دولار يومياً، أي 1.35 مليون دولار خلال شهر، وهي تكلفة تحتاج بدورها إلى نقد أجنبي. وتبرز هنا مفارقة في سياسة التمويل التفضيلي، فالدرهم الرخيص يستهدف تخفيف أسعار الوقود، بينما يؤدي تأخر إتاحته إلى رفع فاتورة الاستيراد. وقد تنتقل غرامات الانتظار إلى المستهلك وفق احتسابها في التركيبة السعرية، التي تشمل قيمة المنتج وعلاوة التوريد وسعر العملة والرسوم والعمولات وهامش الشركة.

 

وقد يؤدي سداد الشحنات المتأخرة وتفريغها إلى انفراج مؤقت، قبل أن تتجدد الاختناقات عند موعد سداد الشحنات التالية إذا استمر نقص العملات.

 

● ارتفاع الأسعار العالمية يضاعف الأعباء

 

وتزامنت صعوبات التمويل مع اضطرابات مضيق هرمز وارتفاع أسعار المشتقات النفطية عالمياً. وأظهرت ورقة المستوردين ارتفاع السعر المرجعي للجازولين، شاملاً علاوة التوريد، من 91.33 دولاراً للبرميل في يناير إلى 200.92 دولار في أبريل، بزيادة تقارب 120 بالمئة. ويعني ذلك أن الحفاظ على الكمية نفسها عند ذروة أبريل احتاج إلى أكثر من ضعف المبلغ الذي كلفه شراؤها في يناير، فزاد العبء على آلية تغطية الدرهم لدى بنك السودان.

 

وفي حساب الاحتياجات، الذي يعتمد وحدة الطن بدل البرميل، تقدّر الورقة الحاجة الشهرية للسودان بأربع بواخر ديزل وباخرتين بنزين، بحمولة 40 ألف طن للباخرة، أي 240 ألف طن شهرياً، إضافة إلى غاز الطبخ ووقود الطائرات. وعند افتراض سعر بين 1000 و1200 دولار للطن، تبلغ كلفة البنزين والديزل وحدهما بين 240 و288 مليون دولار شهرياً، قبل التكاليف غير المشمولة في سعر الطن. وترفع كل زيادة بمقدار 100 دولار للطن الحاجة التمويلية بنحو 24 مليون دولار شهرياً.

 

ولوضع هذه الحاجة في ميزان الموارد المتاحة، أظهرت بيانات النصف الأول من 2026 أن واردات السودان بلغت 4.517 مليارات دولار مقابل صادرات بقيمة 1.816 مليار دولار، بعجز تجاري نحو 2.701 مليار دولار. واستحوذت المنتجات البترولية على 1.495 مليار دولار، أي 33.1 بالمئة من الواردات، بما يعني أن دولاراً من كل ثلاثة دولارات في فاتورة الاستيراد ذهب إلى الوقود. وشكّل الوقود والغذاء معاً 55.1 بالمئة، ترتفع إلى 56.6 بالمئة بإضافة المواد الخام الأخرى، ثم إلى 68.5 بالمئة مع السلع المصنّعة، ما يركز الطلب على العملة في احتياجات مرتبطة بالنقل والإنتاج والمعيشة.

 

وارتفع متوسط فاتورة المنتجات البترولية من 167.1 مليون دولار شهرياً في الربع الأول من 2026 إلى 331.2 مليون دولار في الربع الثاني، بمتوسط 249.1 مليون دولار شهرياً خلال النصف الأول من العام. وهذا الرقم قريب من نطاق 240–288 مليون دولار الوارد في حسبة البواخر، مع اختلاف في التغطية، فالحسبة تخص البنزين والديزل، بينما تشمل البيانات الرسمية منتجات بترولية أخرى. وإذا استمر متوسط النصف الأول في النصف الثاني من العام، فقد تبلغ الفاتورة السنوية نحو 2.99 مليار دولار، وقد تتجاوز ثلاثة مليارات إذا ارتفعت الأسعار أو الكميات، وهي تقديرات حسابية مشروطة وليست التزامات مؤكدة.

 

وتغطي الصادرات نحو 40.2 بالمئة من الواردات، فيعتمد تمويل الفجوة على موارد أخرى بينها التحويلات والائتمان والتدفقات المالية. ويزيد نقص التمويل المصرفي الضغط المحتمل على السوق الموازية، لكن حصة الوقود من الواردات لا تكشف وحدها مقدار ما يموله المستوردون عبر تلك السوق.

 

● الوقود يضغط على الزراعة والغذاء والمواصلات

 

وانعكست هذه الضغوط على الأسعار المحلية. ففي ولاية نهر النيل، اتخذت المجلة سلسلة أسعار عطبرة والدامر عينة للاستعراض، مع اختلاف أسعار الولايات بحسب النقل والرسوم. وارتفع سعر لتر البنزين من 620 جنيهاً في ديسمبر 2022 إلى 2758 جنيهاً في ديسمبر 2024، ثم إلى 3920 جنيهاً في ديسمبر 2025، وصولاً إلى 8299 جنيهاً مطلع أكتوبر 2026. أما الجازولين فارتفع من 660 جنيهاً إلى 3051 جنيهاً ثم إلى 3810 جنيهات، وصولاً إلى 8407 جنيهات في الفترة نفسها.

 

وقفز متوسط سعر الجازولين نحو 97 بالمئة بين الربعين الأول والثاني من 2026، في زيادة ضاعفت تقريباً تكلفة الوقود المستخدم في النقل والإنتاج. وتجاوزت زيادة البنزين والجازولين 110 بالمئة مقارنة بديسمبر 2025، أي أن الأنشطة دخلت الربع الأخير من العام بتكلفة تزيد على ضعف نهاية العام السابق. وتشارك في تشكيل الأسعار المحلية الأسعار العالمية وسعر الصرف والرسوم وتوقيت التعاقد وتكاليف الانتظار.

 

وتنتقل الزيادات إلى الاقتصاد عبر النقل والطحن والتشغيل والتوزيع. ففي الدقيق، تدخل تكلفة الوقود في نقل القمح وتشغيل المولدات عند الاعتماد عليها وترحيل الجوالات إلى المخابز. ويضيف شح الوقود تأخر وصول السلعة وتعطل التشغيل، فتتحمل الأسرة الأثر في الغذاء وأجرة المواصلات.

 

وفي مشروع الرهد الزراعي، يقول المزارع الحاج الأمين رحمة الله إن الجازولين الذي يشغّل الآليات وينقل المدخلات والمحصول يدخل أيضاً في تكلفة ترحيل الغذاء والسلع التي تحتاج إليها أسرته، وإن كل زيادة في سعره ترفع المال المطلوب للموسم والمعيشة، بينما يعطّل تعثر الحصول عليه مواعيد العمل. وبين ارتفاع السعر وانتظار الوقود، يصعب عليه تحديد موضع الأزمة، أهي في الشحنات أم في التمويل أم في توزيع ما يصل منها.

 

ولم تقتصر الضغوط على الأسعار، فقد عادت صفوف السيارات إلى محطات الوقود في الخرطوم وعدد من الولايات خلال موجتين في سبتمبر، الأولى منتصف الشهر والثانية في أيامه الأخيرة. وفي 30 سبتمبر، تفقد رئيس الوزراء كامل إدريس، برفقة وزير الطاقة والنفط معتصم إبراهيم ووالي الخرطوم، عدداً من المحطات، وقال للمواطنين الواقفين في الصفوف إنه «لا توجد أزمة وقود». وتتساءل المجلة عما إذا كان رئيس الوزراء يدرك موضع الأزمة، معتبرة أن تصريحه يضعه تحت ضغط هذا السؤال.

 

● ملف الوقود على طاولة مجلس السيادة

 

وفي السياق نفسه، كلّف رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان الفريق شمس الدين كباشي، في 23 سبتمبر، بمتابعة ملفات الطاقة والنفط والكهرباء، وفق مصدر مطلع نقلت عنه المجلة. وتشير المجلة إلى أن المعالجات السابقة حققت انفراجات أعقبتها عودة الصفوف، وأن أثر الأزمة امتد إلى الطرق والحقول ومناطق التعدين، فاتسع الضغط المعيشي والإنتاجي.

 

وفي ظل هذه التطورات، رفعت شعبة مستوردي المواد البترولية مذكرة تتناول مشكلات التمويل وتأخر العملات وتفريغ البواخر، تتضمن مقترحاً بالسماح بتحالفات من ثلاث شركات كحد أقصى لتجميع ضمان الذهب. ويقضي المقترح بإصدار شهادة إيداع مشتركة تحدد أسماء الشركات وحصة كل منها، والسماح بإيداع الذهب لدى مصارف يحددها المركزي، وجعل الشهادة قابلة للرهن لتمويل واردات الوقود، مع احتفاظ كل شركة بحق تنفيذ حصتها باسمها ومعاملة التحالف كوحدة واحدة في حصص الاستيراد.

 

وترى «أتر» أن المقترح قد يخفف تكلفة الدخول ويوسع المنافسة، وأن قابلية رهن الشهادة قد تتيح تمويلاً مقابل الأصل المحتجز، لكنه لا يوفر تلقائياً النقد الأجنبي اللازم للسداد، ويحتاج إلى قواعد تمنع تحول التحالفات إلى تركز جديد في السوق أو قناة للمضاربة. كما يضيف التكليف السيادي جهة إشراف إلى منظومة تتوزع مسؤولياتها بين وزارة الطاقة والنفط والبنك المركزي والمصارف والشركات، وقد يحسّن التنسيق أو يوسّع تداخل الصلاحيات إذا بقيت حدود المسؤولية غامضة. أما تقييم احتمال الصراع بين مجلس السيادة ورئاسة الوزراء، فيتوقف على قرارات الطرفين وآلية التنفيذ، لا على التكليف وحده.

 

● مقترحات لتغيير سياسة التمويل

 

اقترح مدير إحدى شركات الاستيراد، في إفادة للمجلة، أن يتخلى البنك المركزي عن تحديد سعر تفضيلي لتمويل الوقود ويعتمد سعراً عادلاً أقرب إلى الأسعار الفعلية، بما يشجع المصدرين على بيع حصائلهم للمصارف. وكان المركزي قد أدخل في أغسطس تعديلات سمحت للمصارف بشراء حصائل الصادرات بأسعارها المعلنة ومنحتها مرونة أوسع في تعديلها، بهدف جذب العملات الأجنبية إلى الجهاز المصرفي.

 

وتشمل المعالجات الحكومية كذلك شراء الذهب بالجنيه وبيعه خارجياً للحصول على النقد الأجنبي وبناء احتياطيات لتمويل الواردات الاستراتيجية، إلى جانب مكافحة التهريب الذي يحرم المصارف من حصائل يمكن استخدامها في الاستيراد. ويحذر التقرير من أن تمويل شراء الذهب بإصدار نقود جديدة، دون سحب السيولة لاحقاً، قد يزيد الضغوط على التضخم وسعر الصرف، وأن جدوى الآلية ترتبط بسرعة تحويل الذهب إلى حصيلة بالعملة الأجنبية وبحجم السيولة التي تُسحب عند بيع العملة للمستوردين. ولم يقدم التقرير بيانات تثبت استخدام هذه الآلية أو حجمها في تمويل الوقود الحالي.

 

وقد يؤدي التخلي عن السعر التفضيلي إلى ارتفاع أولي في أسعار الوقود، بينما يعتمد استقرارها لاحقاً على زيادة تدفق حصائل الصادرات إلى المصارف وانتظام توفير العملة للمستوردين.

 

وتبقى المعضلة السياسية في قدرة الأسر على تحمل زيادة الوقود التي تنتقل إلى النقل والغذاء وتخفض الدخل الحقيقي، خصوصاً لدى من تنفد رواتبهم في أيام معدودة، وقد يتحول أثرها إلى ضغط اجتماعي وسياسي. ولهذا تصبح حماية محدودي الدخل وتأمين الإمداد جزءاً من ترتيبات الانتقال إلى أي تسعير جديد.

 

● أزمة التمويل وتكاليف الانتظار

 

يكشف اشتراط ضمان يعادل 200 كيلوغرام من الذهب حدود الإجراءات الرامية إلى تنظيم سوق الاستيراد، إذ نجح في حصر الشركات المؤهلة، لكنه لم يعالج نقص العملات الأجنبية اللازمة لسداد قيمة الشحنات.

 

وتتجاوز الأزمة بذلك عدد المستوردين وحجم الشحنات المتعاقد عليها إلى قدرة المؤسسات الحكومية والمصرفية على توفير التمويل في مواعيده، وتنسيق قرارات التسعير والاستيراد والإمداد. وفي غياب معالجة مستدامة، تبقى تكاليف التأخير مرشحة للانتقال من الموانئ إلى محطات الوقود، ومنها إلى أسعار النقل والغذاء ومعيشة السودانيين.

 

المصدر : مجلة «أتر» الأسبوعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى