اخبار

السمسم السوداني.. كيف تستفيد مصر من ثروة السودان في زمن الحرب؟

السمسم السوداني.. كيف تستفيد مصر من ثروة السودان في زمن الحرب؟

 

السلطة نت – وكالات

 

بينما تدفع الحرب السودان نحو الانهيار الاقتصادي، تكشف بيانات التجارة الدولية عن مفارقة لافتة في سوق السمسم: السودان ينتج مئات الآلاف من الأطنان سنوياً، فيما تستورد مصر (بالعملة المحلية) كميات كبيرة منه، ثم تصدّر السمسم إلى أسواق عشرات الدول بقيمة تقترب من 100 مليون دولار سنوياً. وتثير هذه الأرقام تساؤلات بشأن القيمة التي يجنيها المنتج السوداني من ثروته الزراعية، والمكاسب التي تحققها القاهرة من موقعها التجاري، في وقت تتراجع فيه قدرة السودان على حماية موارده وتنظيم صادراته.

 

وتكتسب هذه المفارقة أبعاداً سياسية مع استمرار الحرب، وتصاعد الاتهامات المتعلقة بتجاوزات مصرية في المناطق الحدودية، مقابل استمرار الدعم السياسي والعسكري المصري للجيش السوداني، وصمت سلطة بورتسودان عن قضايا تمس السيادة والموارد الوطنية.

 

السودان ينتج.. ومصر تعيد التصدير

 

وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، بلغ إنتاج السودان من السمسم 626,173 طناً في عام 2024، مقارنة بنحو 600,100 طن في 2023. وفي المقابل، لم يتجاوز إنتاج مصر 41,708 أطنان في 2024، مقابل 39,419 طناً في العام السابق.

وبذلك بلغ إنتاج السودان نحو 15 ضعف الإنتاج المصري في 2024، بفارق يتجاوز 584 ألف طن. ومع ذلك، تكشف بيانات التجارة الدولية عن حضور مصري لافت في سوق السمسم العالمي.

 

فبحسب قاعدة بيانات التجارة الدولية التابعة للبنك الدولي، استوردت مصر في عام 2024 نحو 39,304 أطنان من السمسم، بلغت قيمتها 98.8 مليون دولار، جاء 28,653 طناً منها من السودان، بقيمة 72 مليون دولار. وبذلك استحوذ السودان على نحو 73% من واردات مصر من السمسم في ذلك العام، ليكون المورد الأول لهذا المحصول إلى السوق المصرية.

 

وفي عام 2025، استوردت مصر 43,235 طناً من السمسم بقيمة 93.4 مليون دولار، بينها 21,320 طناً من السودان بقيمة 46.1 مليون دولار. ورغم تراجع الكميات السودانية الموردة إلى مصر بنحو 25.6% مقارنة بعام 2024، ظل السودان أكبر مورد أفريقي مسجل للسمسم إلى السوق المصرية، وفق البيانات المتاحة.

 

صادرات تقترب من 100 مليون دولار

 

في المقابل، بلغت صادرات مصر من السمسم في 2024 نحو 37,699 طناً، بقيمة 90.5 مليون دولار. وفي 2025، ارتفعت الكميات المصدرة إلى 49,750 طناً، بينما بلغت القيمة نحو 90.9 مليون دولار.

 

أي أن مصر صدّرت في 2025 كمية تزيد بنحو 12 ألف طن على صادرات العام السابق، مع استقرار القيمة المالية الإجمالية تقريباً. وشملت الأسواق الرئيسية المغرب، الذي استورد نحو 18,706 أطنان بقيمة 34.2 مليون دولار، والجزائر بنحو 5,292 طناً، وتركيا بنحو 4,727 طناً، واليابان بنحو 3,613 طناً.

 

وتكشف هذه الأرقام عن توسع الدور المصري في تجارة السمسم، من خلال الجمع بين الإنتاج المحلي والاستيراد والتصدير.

 

ومع ذلك، فإن اعتماد مصر على السودان لتأمين جزء كبير من احتياجاتها يطرح سؤالاً اقتصادياً جوهرياً: ما نصيب المزارع السوداني من القيمة النهائية التي يحققها المحصول في الأسواق الخارجية، وما حجم الأرباح التي تذهب إلى الوسطاء وشركات التجارة والتصدير؟

 

الحرب تضعف المنتج السوداني

 

تأتي هذه الأرقام في ظل حرب أضعفت المؤسسات الاقتصادية والرقابية، وعطلت طرق التجارة، ورفعت مخاطر النقل والتمويل والتأمين. وفي مثل هذه الظروف، تتسع المخاطر التي يتعرض لها المنتجون السودانيون، خصوصاً عندما يضطرون إلى بيع محاصيلهم عبر شبكات وساطة متعددة أو في أسواق تفتقر إلى المنافسة والشفافية.

 

وهنا تبرز فرضية: هل تستفيد المصالح التجارية المصرية من ضعف قدرة السودان على تنظيم تجارة السمسم وتحديد أسعاره وحماية المنتجين؟ وهل تتيح ظروف الحرب للوسطاء تحقيق هوامش ربح أكبر على حساب المزارعين السودانيين؟

 

تكشف هذه الأرقام كيف تستفيد مصر من موقعها التجاري في سوق السمسم، مستفيدة من تدفق المحصول السوداني إلى أسواقها، ثم توسيع صادراتها إلى الخارج، بينما يواجه المنتج السوداني تداعيات الحرب وضعف الرقابة واضطراب طرق التجارة. وفي ظل غياب الشفافية بشأن الأسعار وهوامش الأرباح وشروط التبادل التجاري، تتزايد المخاوف من أن تتحول الحرب إلى فرصة لتعظيم المكاسب المصرية على حساب المزارعين السودانيين، الذين ينتجون الجزء الأكبر من المحصول دون أن يمتلكوا النفوذ نفسه في تحديد أسعاره أو التحكم في أسواقه الخارجية.

 

من يحمي الموارد السودانية؟

 

تكتسب هذه القضية أهمية سياسية في ظل العلاقات الوثيقة بين القاهرة وقيادة الجيش السوداني. فالدعم السياسي والعسكري المصري المعلن للمؤسسة العسكرية السودانية لا يعفي سلطة بورتسودان من مسؤوليتها عن حماية المصالح الاقتصادية للبلاد، ولا يبرر غياب الشفافية بشأن الاتفاقات التجارية أو التجاوزات المحتملة على الحدود.

 

وإذا كانت مصر تستفيد من السمسم السوداني لتغذية تجارتها الخارجية، فمن حق السودانيين معرفة شروط هذه التجارة، وحجم العائد الذي يصل إلى المنتجين، وما إذا كانت هناك امتيازات أو ترتيبات غير معلنة تمنح الشركات والوسطاء المصريين أفضلية على حساب المنتج الوطني.

 

المسألة لا تتعلق بالتجارة المشروعة بين بلدين، وإنما باحتمال تحوّل الحرب وضعف الرقابة إلى فرصة لتعظيم المكاسب على حساب المنتج السوداني، بينما تنشغل سلطة بورتسودان بالحرب وتظل مساءلة الحلفاء محدودة.

 

في بلد ينتج أكثر من 626 ألف طن من السمسم سنوياً، لا ينبغي أن يبقى السؤال مقتصراً على حجم المحصول أو وجهة تصديره؛ بل يجب أن يمتد إلى من يحدد سعره، ومن يجني القيمة المضافة منه، ولماذا يعجز السودان عن تحويل تفوقه الإنتاجي إلى نفوذ تجاري وعائد اقتصادي يتناسب مع حجم موارده.

 

فإذا كانت الحرب قد أضعفت قدرة السودان على حماية ثروته الزراعية، فإن صمت السلطة عن مراجعة شروط العلاقة الاقتصادية مع القاهرة يترك الباب مفتوحاً أمام استفادة أطراف أخرى من هذا الضعف، من دون أن يتحول ذلك بالضرورة إلى دليل قاطع على وجود نهب منظم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى