ذهب السودان بين الإعلان والنفي ومن ينتظر الأرض التي أُخليت؟

ذهب السودان بين الإعلان والنفي ومن ينتظر الأرض التي أُخليت؟
– من هو رجل الأعمال المصري الجارحي المتورط في عقودات تنقيب الذهب؟
– ماهي علاقة مبارك أردول ورجل الأعمال الراحل عمر النمير بالشركة موضوع الصفقة المشبوهة؟
– التقرير يكشف الخيوط التي تربط بين شركة ديب ميتالز وقصف المعدنين
الحلقة الأولى
السلطة نت – متابعات
في قطاع الذهب، حيث تتجاور الثروة مع النفوذ والسلاح، ظهر اسم شركة «ديب ميتالز للتعدين» في سبتمبر 2025 مرفقاً برقم ضخم هو 277.3 مليون دولار. مرّ عام على ذلك الإعلان، وتغيرت خلاله وقائع كثيرة، وبقيت الأسئلة الأولى معلقة بلا جواب. ويفرض نفسه اليوم سؤال أعمق من سؤال ماذا حدث، وهو لمن تعمل هذه الشركة؟ ولماذا تتقاطع مصالحها مع دوائر النفوذ والسلاح في اللحظة التي تُطرد فيها أيدي المعدّنين الأهليين من الأرض؟
إعلان بلا عقد
نشرت صحيفة «البورصة» المصرية في 4 سبتمبر 2025 خبراً عن اتفاقية بين وزارة المعادن السودانية والشركة بقيمة 277.3 مليون دولار. تحدث الخبر عن مواقع امتياز في ولايات الشمالية والبحر الأحمر ونهر النيل والقضارف، واستحواذ على 85% من منجم «أركيديا»، ومصنع لمعالجة مخلفات التعدين، ومصفاة للذهب. وأوردت وكالة السودان للأنباء الخبر في اليوم التالي.
أوردت التقارير أن الاتفاقية وُقعت في فندق هيلتون القاهرة بين وزير المعادن نور الدائم طه ومحمد الجارحي وهو رجل أعمال مصري مرتبط بمجموعة حديد الجارحي، ممثلاً عن «ديب ميتالز»، وأن الشركة تعهدت بتنفيذ مشروعات تنمية محلية في إطار مسؤوليتها المجتمعية. تحدّثت التقارير كذلك عن هيكل ملكية موزع بين الجارحي والسودانيين ورجل الأعمال الذي توفي قريباً عمر النمير، وهو رجل أعمال سوداني ورئيس سابق لنادي المريخ، ومبارك أردول المدير العام السابق للشركة السودانية للموارد المعدنية ومدير «ديب ميتالز»، بما يشير إلى شراكة إقليمية تجمع رأس المال المصري بالنفوذ السوداني.
صدر في 5 سبتمبر بيان عن الشركة قالت فيه إنها لم توقع عقداً ولم تبدأ نشاطها، وإن ما لديها رغبة في الاستثمار. وأعلنت وزارة المعادن في 6 سبتمبر أنها لم توقع أي اتفاق أو مذكرة تفاهم، وأنها لم ترتب التزاماً قانونياً أو تعاقدياً تجاه الشركة. وبهذا انتقل اتفاق بمئات الملايين، بمواقعه ونسبه ومصانعه، إلى «لا شيء وُقّع» خلال 48 ساعة.
لكن هذا النفي الرسمي لم يُغلق الملف. فقد كذّب محمد الجارحي نفسه رواية أردول، وأكد في منشور علني أن الاتفاقية وُقعت فعلاً «برعاية الوزير نور الدائم محمد أحمد طه»، وأنها تشمل استثمارات في أربع ولايات سودانية مع الاستحواذ على 85% من منجم «أركيديا» وإنشاء مصنع للمخلفات ومصفاة حديثة للذهب.
ظهر إذن تناقض صارخ بين أطراف عدة، هي صحافة أعلنت، وشركة نفت، ووزارة نفت، ثم عاد أحد المالكين ليؤكد. والسؤال الذي لم يُطرح بحدة كافية هو لماذا يُعلن عن اتفاق بهذا الحجم قبل توقيعه؟ ومن الذي حمله إلى الصحافة؟ وإذا كان النفي صحيحاً، فكيف يؤكد رئيس مجلس إدارة الشركة وأحد مالكيها المعلنين التوقيع؟ وإذا كان التأكيد صحيحاً، فلماذا نفته الشركة نفسها والوزارة؟
وفي الخلفية، أعلنت «الهيئة الشعبية للشمال» رفضها ما سمته «الصفقة المشبوهة»، وقال أمينها العام أسامة سيد أحمد حسين إن «أراضي وموارد الإقليم الشمالي ليست خاضعة للبيع والمزايدات»، وإن أي خطوة في هذا الاتجاه ستواجه بالرفض. لم يجد هذا الرفض الشعبي آذاناً مصغية في الخرطوم.
شركة عمرها مائة يوم
نشرت وسائل إعلام سودانية في 8 سبتمبر 2025 بيانات قالت إنها من سجل الشركة. تفيد هذه البيانات بأن «ديب ميتالز» سُجلت في 28 مايو 2025 برقم 71235 وبرأسمال 30 مليون جنيه سوداني موزع على 100 سهم. جاء الإعلان إذن بعد نحو مائة يوم من التسجيل، ويعادل رأس المال المسجل بضعة عشرات الآلاف من الدولارات بأسعار الصرف المتداولة، أي جزءاً ضئيلاً من الرقم المعلن.
قد يأتي التمويل من شركاء أو التزامات خارجية، ولذلك يصبح الإفصاح عن مصادره وضماناته وخبرة القائمين عليه شرطاً لتصديق أي رقم بهذا الحجم. لكن الأهم أن شركة برأسمال متواضع، عمرها مائة يوم، تُعلن عن استثمار بربع مليار دولار في قطاع تخضع فيه التراخيص لجهة حكومية كان مديرها العام حتى وقت قريب هو نفسه المدير العام للشركة.
هذا التناقض وحده يكفي لطرح سؤال النفوذ، فكيف تُبنى ثقة مستثمر في شركة عمرها أشهر قليلة، برأسمال لا يذكر، في قطاع شديد الحساسية، لولا أن أحد مديريها هو من كان يمسك بملف التراخيص والامتيازات من داخل المؤسسة المنظمة؟
ملكية بثلاث روايات
تقول الشركة إن ملكيتها تعود إلى عمر النمير ومحمد الجارحي، وإن مبارك أردول يتولى إدارتها العامة.
وتعرض المصادر المنشورة صوراً مختلفة لهذه الملكية. ذكرت وسائل إعلام أن الجارحي يملك 47% من الأسهم وأن الباقي للنمير. وأورد السجل، كما نشرته وسائل إعلام سودانية عن إيداع 27 أغسطس 2025، اسمي عمر عثمان النمير ومحمد جمال عبد القادر (اسم ورد في السجل مؤسساً ولم تتضح هويته) مؤسسين ومبارك عبد الرحمن أحمد أردول مديراً عاماً، ولا يظهر فيما نُشر منه اسم الجارحي.
لكن تقارير أخرى قدمت صورة مختلفة إذ قالت إن الجارحي يملك حصة تبلغ 47.5%، بينما تعود النسبة المتبقية (52.5%) إلى رجلي الأعمال السودانيين عمر النمير ومبارك أردول. وذكرت تقارير أخرى أن الملكية موزعة بين الجارحي (47.5%) وعمر النمير، دون ذكر أردول كمالك.
وتقول صفحة الشركة على لينكدإن إنها تأسست عام 2024 بشراكة بين «مجموعة حديد الجارحي» المصرية و«مجموعة فيض النعم» السودانية، أي قبل تاريخ التسجيل المنشور بنحو عام، ولا يرد اسم النمير في هذا الوصف. اختلفت إذًا سنة التأسيس وأسماء الملاك وهوية الشركاء ونسب الأسهم. ويبقى السؤال قائماً عمّا إذا كان «محمد جمال عبد القادر» هو الجارحي نفسه بالاسم الكامل أم شخصاً آخر.
في قطاع الذهب يحدد الوضوح في الملكية من يملك القرار ومن يتحمل الالتزامات ومن يجني عائد أي امتياز تمنحه الدولة. ويفتح غياب هذا الوضوح، مع تعدد الروايات، احتمالاً يستحق الفحص وهو أن يكون الغموض نفسه مقصوداً، لأن المعرفة الدقيقة بمن يقف خلف الشركة تعني المساءلة.
المنظِّم الذي صار مديراً
كان مبارك أردول مديراً عاماً للشركة السودانية للموارد المعدنية، الجهة التي تمنح التراخيص وتشرف على قطاع التعدين. ثم ظهر مديراً عاماً لشركة خاصة تريد دخول القطاع نفسه بمشروعات ضخمة.
هذا الانتقال، في أي نظام حوكمة جدي، يستوجب تحقيقات ومراجعات وفترات تهدئة. لكن في السودان، حيث تتشابك مؤسسات الدولة مع المصالح الخاصة في زمن الحرب، مرّ الانتقال مروراً عابراً. أوردت تقارير أن أردول نفسه سارع إلى التوضيح بأن «ديب ميتالز» شركة سودانية يملكها النمير والجارحي، ويديرها هو، وأنها «في مرحلة الرغبة لا التعاقد».
غير أن هذا التوضيح لا يعالج السؤال الجوهري، وهو أن من عرف أبواب المؤسسة المنظمة من داخلها يعرف أين تُحفظ خرائط المربعات وكيف تُدار طلبات الامتياز ومن يوقّع القرارات. فهل يُعقل أن تُعلن شركة حديثة عن امتيازات في أربع ولايات دون أن يكون مديرها العام على دراية مسبقة بأي مربعات مفتوحة للتفاوض وأيها محجوز وأيها على وشك الإخلاء؟ وتحتاج هذه النقلة إلى توضيح علني لتاريخ انتهاء المهام الحكومية وتاريخ بدء العمل في الشركة، ولقواعد تعارض المصالح التي طُبقت إن وُجدت.
وفي الواجهة السياسية يقف نور الدائم طه (وزير المعادن في حكومة بورتسودان)، الذي نُسب إلى وزارته اتفاق قالت إنها لم توقعه. لكن يبقى السؤال معلقاً، فإذا كانت الوزارة لم توقع، فمن الذي كان مع الجارحي في القاهرة؟ ومن الذي «رعى» التوقيع كما قال الجارحي نفسه؟ ولماذا لم يُحاسب أحد على تسريب «اتفاق» بهذا الحجم إلى صحيفة مصرية؟
في الحلقة الثانية سنقرأ عن الخيوط التي تربط بين شركة ديب ميتالز وقصف المعدنين.











