السودان بين البندقية ودولة المستقبل – لماذا لا تنهض البلاد إلا بالحكم المدني الديمقراطي؟

السودان بين البندقية ودولة المستقبل – لماذا لا تنهض البلاد إلا بالحكم المدني الديمقراطي؟
متابعات – السلطة نت
في الثالث عشر من أكتوبر الجاري قدّم عضو الكونغرس الأميركي جيم بيرد مشروع قانون يحمل الرقم H.R. 10795، ويُعرف بـ«قانون السودان للاستثمار في المعادن والشراكة والزراعة والتجارة». يقترح المشروع شراكة تتيح للسودان معدات وتقنيات وخبرات أميركية في الزراعة والتعدين، مقابل وصول واشنطن إلى موارده الطبيعية.
من الجدير بالذكر أن المشروع ما زال في لجنة الشؤون الخارجية، ولا يعبّر عن موقف الدولة الأميركية بعد.
غير أن أهميته تكمن في الرسالة التي يحملها. فالشراكة فيه مرهونة بشرطين، هما تقدّم ملموس في حماية المدنيين وإدارة مسؤولة للموارد، يصدّق عليهما وزير الخارجية الأميركي، ضمن إطار سلطة شرعية بقيادة مدنية كما نقلت الصحافة عن المشروع.
الثروة لا تكفي
يملك السودان أراضي زراعية شاسعة ومياهاً وفيرة وذهباً ومعادن متنوعة وموقعاً استراتيجياً. ومع ذلك يعيش شعبه حرباً مفتوحة واقتصاداً منهاراً واعتماداً على المساعدات الإنسانية. فالموارد متوافرة، وما ينقص البلاد هو الدولة القادرة على إدارتها.
ويبيّن المشروع أن الشراكات الكبرى لا تُبنى على حجم الثروة وحده. فحتى المصلحة الأميركية المعلنة فيه، وهي تأمين خامات تدخل في صناعة السيارات والهواتف، لم تُقدَّم بمعزل عن شرط حماية المدنيين. ومن نافلة القول أن المستثمر الجاد لا يدخل بلداً يحكمه السلاح، ولا يوقّع عقوداً طويلة الأجل مع سلطة لا يعرف إن كانت ستبقى غداً.
لماذا الدولة المدنية الديمقراطية تحديداً؟
لأنها منظومة حكم متكاملة تستمد شرعيتها من إرادة المواطنين، وتُخضع المؤسسات للمساءلة، وتتيح تداول السلطة سلمياً، وتحمي الحقوق والحريات، وتتجاوز في معناها مجرد استبدال مسؤول عسكري بآخر مدني.
في ظل هذه المنظومة تصبح الثروة العامة ملكاً للشعب، وتخضع عقود التعدين والتصدير والاقتراض للرقابة، وتُوجَّه العائدات إلى التعليم والصحة والبنية التحتية والإنتاج. أما حين يتغلب منطق القوة المسلحة على منطق المؤسسات، فتتحول السياسة إلى صراع على السيطرة، وتصير الموارد جزءاً من معادلة البقاء في الحكم بدلاً من أن تكون أساساً لبناء الاقتصاد.
ولا ندّعي أن كل حكومة مدنية ناجحة بالضرورة، ولا أن الانتخابات وحدها تصنع النهضة. فالديمقراطية تحتاج إلى قضاء مستقل وإدارة كفؤة ومكافحة جادة للفساد، ولا شك أن هذه الشروط لا تستقر في ظل حكم يجعل السلاح مصدراً أعلى للشرعية.
عزلة تتسع
يأتي المشروع في سياق تتسع فيه الفجوة بين السلطة العسكرية والعالم. فقد امتنعت واشنطن في سبتمبر عن منح قائد الجيش تأشيرة لإلقاء كلمة السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحدثت تقارير عن نزع الشرعية السياسية والدبلوماسية عن هذه السلطة ووصفها بأنها سلطة «أمر واقع».
وهنا تسقط حجة الدعاية العسكرية القائلة إن بقاء الجيش في الحكم ضمانة للاستقرار والسيادة وانفتاح العلاقات الدولية. فلو كان الأمر كذلك لما استمرت الحرب، ولا تراجع الاقتصاد، ولا اشتُرطت الشراكات الدولية أصلاً بتغيير طبيعة السلطة.
الثروات وحدها ليست كافية
لن يضمن مشروع بيرد وحده نهضة السودان، وقد لا يصبح قانوناً أصلاً. لكنه يضع أمامنا معادلة واضحة، فالشراكات التنموية الكبرى تُعرض على دولة تحمي مواطنيها وتُحسن إدارة مواردها، أما الدولة التي تُقاس قوتها بعدد البنادق والكتائب فلا ينتظرها هذا الباب.
والنهضة تبدأ حين يصبح المواطن مصدر الشرعية، والقانون مرجع السلطة، والثروة ملكاً للشعب، والسلاح خاضعاً للدولة، والدولة خاضعة لإرادة الشعب. وذلك هو طريق السودان الذي يستحقه أبناؤه، دولة تستمد شرعيتها من إرادة مواطنيها، وتقيس نجاحها بقدرتها على بناء وطن يعيشون فيه بكرامة وأمان ومستقبل مفتوح.
ثروات السودان وحدها لا تصنع نهضته، فالذي يصنعها دولة تحمي مواطنيها وتُحسن إدارة مواردها وتكسب ثقة العالم.











