اخبار

أموال الإخوان وبنادق الكيزان: تناقضات السياسة الإقليمية وملاذات الإرهاب

أموال الإخوان وبنادق الكيزان: تناقضات السياسة الإقليمية وملاذات الإرهاب

 

السلطة نت – متابعات

 

شكلت حرب الخامس عشر من أبريل في السودان كاشفاً تاريخياً لإرث معقد خلفه نظام المؤتمر الوطني المحلول، والذي لم يكتفِ طوال ثلاثة عقود باختطاف الدولة السودانية، بل حولها إلى حاضنة إقليمية للإرهاب وعاصمة لغسل الأموال العابرة للحدود.

 

وفي خضم هذه الحرب المدمرة، تتكشف مفارقات جيوسياسية صارخة في تعاطي بعض دول الجوار مع الأزمة السودانية، وعلى رأسها الإدارة المصرية. فبينما تقود القاهرة حرباً لا هوادة فيها لاجتثاث تنظيم الإخوان المسلمين وتجفيف منابع تمويله في الداخل المصري، تتبنى سياسات متناقضة في السودان، تجلت في دعمها للجيش السوداني الذي تقاتل في صفوفه كتائب تنظيم الإخوان، واحتضانها لأخطر قيادات ورموز النظام المخلوع وممولي مجموعات التطرف والارهاب.

 

الحاضنة التاريخية للإرهاب وغسل الأموال

 

منذ استيلائه على السلطة بانقلاب عسكري في العام 1989، تبنى نظام المؤتمر الوطني أيديولوجيا متطرفة جعلت من السودان ملاذاً آمناً لقيادات وعناصر التنظيمات الراديكالية العالمية، مما كلف البلاد عقوبات دولية قاسية وإدراجاً طويلاً في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.

 

لم تكن هذه الرعاية مجرد استضافة سياسية، بل تأسست على بنية اقتصادية خفية وظفت شبكات معقدة لغسل الأموال وتمويل الأنشطة المتطرفة.

 

وقد عمل النظام المحلول على توفير مظلة قانونية وتجارية لاستثمارات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، حيث تم دمج الأموال المشبوهة في جسد الاقتصاد السوداني عبر شركات واجهة تعمل في قطاعات حيوية، لتصبح الخرطوم رئة مالية تتنفس منها الجماعة هرباً من الملاحقات الأمنية.

 

شركة البداية وشبكات التمويل العابرة للحدود

 

تجلت هذه الشبكات بوضوح عقب الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر، حيث سارعت قيادات التنظيم للبحث عن ملاذات آمنة لأموالها هرباً من المصادرة.

 

وقد وفر نظام المؤتمر الوطني في السودان هذه الحاضنة عبر شراكات اقتصادية تبدو مشروعة، لكنها كانت في جوهرها عمليات معقدة لغسل الأموال.

 

ومن أبرز الأمثلة على ذلك قضية القيادي الإخواني المصري وليد خميس موسى عصفور، الذي صدرت بحقه قرارات قضائية مصرية بالتحفظ على أمواله ومنعه من التصرف فيها. في ذات الوقت الذي كانت تطارده فيه السلطات المصرية، كان عصفور وشريكه المصري سامح محمد أحمد شتات يتمتعان بغطاء استثماري زراعي في السودان.

 

وقد كشفت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو واسترداد الأموال العامة في السودان هذا المخطط، حيث أصدرت القرار رقم 496 القاضي باسترداد كافة أسهم شركة البداية للانتاج الزراعي المحدودة.

وبموجب هذا القرار، تم استرداد ألف سهم لصالح حكومة السودان ممثلة في وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي.

وأثبتت سجلات الشركة ارتباطات وثيقة بين العناصر الإخوانية المصرية وشركات تابعة للنظام السوداني المحلول، حيث شملت الأسهم المستردة حصصاً تخص وليد خميس موسى عصفور وسامح محمد أحمد شتات، إلى جانب شركات واجهة أخرى مثل شركة مجموعة الزوايا للتنمية والاستثمار المحدودة (المملوكة لعبد الباسط حمزة) وشركة نعائم للاستثمار والموارد المحدودة.

 

حظر في الداخل ودعم في الخارج

 

وعلى الرغم من هذه الحقائق الموثقة التي تؤكد الترابط العضوي والمالي بين فرعي التنظيم في مصر والسودان، يبرز التناقض المفضوح في تعاطي الإدارة المصرية مع المشهد السوداني الحالي. إن الحرب على الإخوان تبدو أولوية قصوى داخل الحدود المصرية، لكنها تتراجع أمام التحالفات التكتيكية في السودان، مما يمنح الحركة الإسلامية السودانية قبلة الحياة لاستعادة نفوذها العسكري والأمني والسياسي والاقتصادي.

 

وتكتمل صورة هذا التناقض من خلال فتح الإدارة المصرية أراضيها لتصبح ملاذاً آمناً لأخطر المطلوبين والنافذين من رموز النظام السوداني البائد.

وتبرز في هذا السياق استضافة القاهرة لمدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني الأسبق صلاح عبد الله قوش، المتهم بارتكاب انتهاكات جسيمة وجرائم ضد الإنسانية في حق السودانيين إبان ثورة ديسمبر المجيدة وما قبلها. ورغم المطالبات الشعبية والحقوقية المستمرة بتسليمه لمحاكمته، توفر له السلطات المصرية الحماية.

 

ولا يقتصر الأمر على القيادات الأمنية، بل يمتد إلى مهندسي الشبكات المالية الراعية للإرهاب، مثل عبد الباسط حمزة، الذي يُعد من أهم أذرع تمويل الحركة الإسلامية وتأسيس الواجهات التجارية، رغم أنه حمزة مطلوب ومدرج على قوائم العقوبات الصادرة من قبل الإدارة الأمريكية لاتهامه المباشر بدعم مجمعات التطرف الإسلامي وتوفير الدعم المالي لتنظيمات إرهابية.

 

وينضم إلى هذه القائمة الفريق أول عوض بن عوف، مسؤول تنظيم الإخوان المسلمين داخل الجيش السوداني، والذي يقيم في مصر أيضاً بعيداً عن أي مساءلة، مما يعزز الاتهامات الموجهة للقاهرة بتوفير الغطاء لقيادات تضمن بقاء نفوذ الحركة الإسلامية في المؤسسة العسكرية.

 

في المحصلة، يؤكد هذا المشهد المعقد أن الحرب الإقليمية على الإرهاب والتطرف تعاني من خلل بنيوي تحكمه المصالح المؤقتة. فبينما يتم تدمير البنية التحتية المالية للتنظيم في دولة وتفكيك واجهاته الاقتصادية، تُفتح لقياداته ورموزه الأمنية والمالية أبواب النجاة في دولة أخرى، ليبقى الشعب السوداني يدفع فاتورة حرب مدمرة أشعلها تنظيم يتغذى على التناقضات الإقليمية وملاذات غسل الأموال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى