الشركة المصرية .. نشاط أمني وإقتصادي مصري في شمال السودان

الشركة المصرية .. نشاط أمني وإقتصادي مصري في شمال السودان
السلطة نت – متابعات
يطلق عليها المعدّنون الأهليون السودانيون اسم “الشركة المصرية”. لا يعرف كثيرون اسمها الرسمي، لكنهم يعرفون نشاطها، إذ يشاهدون منسوبيها برفقة دوريات حرس الحدود المصري داخل الأراضي السودانية لإجراء دراسات جيولوجية وشراء الذهب عبر وكلاء من تجار سوقي الأنصاري والأبيار بأسعار تقل عن أسعار السوق. ووفقاً لشهادات ميدانية، يتجاوز دور الشركة تجارة الذهب إلى أنشطة أمنية، وضمن موظفيها عناصر مرتبطة بأجهزة أمنية واستخباراتية مصرية.
ما الاسم الرسمي لهذه الشركة؟ وكيف تدير شبكة شراء الذهب السوداني؟ وما طبيعة أدوارها الأمنية، وإلى أي مدى تستخدم القاهرة تجارة الذهب مدخلاً لبناء نفوذها داخل المناطق الحدودية السودانية؟
شركة شلاتين
تأسست شركة شلاتين للثروة المعدنية في 26 نوفمبر 2012 بقرار من مجلس الوزراء المصري، وهي شركة مساهمة مملوكة بالكامل لجهات حكومية. وتتوزع حصصها بين الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية بنسبة 35%، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة بنسبة 34%، وبنك الاستثمار القومي بنسبة 24%، والشركة المصرية للثروات التعدينية بنسبة 7%.
وبحسب المعلومات المنشورة على الموقع الرسمي لشركة شلاتين للثروة المعدنية، تعمل الشركة في استكشاف الذهب والمعادن المصاحبة واستغلالها في الصحراء الجنوبية الشرقية المصرية، وتنظيم التعدين الأهلي وإصدار تصاريح العمل والدخول إلى مناطق الامتياز. وتتخذ من القاهرة مقراً رئيسياً، ولها مقار في الشلاتين ومرسى علم وإدفو وأسوان.
لكن المعلومات التي جمعها التحقيق تشير إلى أدوار تتجاوز النشاط التعديني المعلن للشركة.
وقال مصدر عسكري سوداني إن شركة شلاتين شاركت في ترتيبات مرتبطة بصفقات تسليح للجيش السوداني وعمليات تمويل متصلة بها، ما يفتح باباً جديداً لفهم طبيعة دور الشركة وعلاقاتها خارج قطاع التعدين. ووفقاً للمصدر، فإن هذه الصلات تضع نشاط الشركة في سياق تداخل الذهب مع المصالح الأمنية والعسكرية بين البلدين.
الشركة المصرية داخل العمق السوداني
في مارس 2023، أعلنت وزارة البترول المصرية بدء تجارب الإنتاج التجاري للذهب من منجم إيقات، الواقع ضمن امتياز شركة شلاتين، باحتياطيات مقدرة بنحو 1.2 مليون أوقية، في إطار خطة لتوسيع إنتاج الذهب وتعظيم الاستفادة من الموارد المعدنية.
وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية إضافية بالنظر إلى الموقع الحدودي للمنطقة وامتداد مناطق التعدين فيها إلى الجانب السوداني.
ويمتد جبل إيقات، المعروف أيضاً بجبل العقيدات، عبر الحدود السودانية المصرية، وتقع المساحة الأكبر منه داخل السودان، حيث تنتشر مواقع التعدين الأهلي. ومع توسع الاستثمارات المصرية في الذهب، تتحدث شهادات ميدانية عن امتداد أنشطة شركة شلاتين إلى الجانب السوداني، بما يشمل المسوحات الجيولوجية والتحركات داخل مناطق التعدين.
وفي يونيو وأكتوبر 2026، تعرض معدّنون سودانيون في منطقتي العقيدات وشمال الوادي لقصف جوي مصري أسفر، وفق تقارير حقوقية، عن سقوط عشرات القتلى. وتزامنت الهجمات مع تحركات لإخلاء مواقع التعدين من المعدّنين السودانيين، في منطقة تتزايد أهميتها مع توسع المشروعات المصرية في الذهب.
وتفيد شهادات من مناطق شمال ولايتي البحر الأحمر ونهر النيل بأن شركة شلاتين أجرت، على مدى أكثر من عامين، دراسات ومسوحاً جيولوجية داخل الأراضي السودانية، بمرافقة عناصر من حرس الحدود المصري. وشملت هذه التحركات منطقة شمال الوادي، التي تعرضت للقصف الجوي المصري مرتين خلال الأشهر الأخيرة، وترافقت مع عمليات لإخلاء مواقع التعدين الأهلي بالقوة.
وبحسب شهادات جمعها التحقيق من معدّنين سودانيين، يتعرض الرافضون لأوامر الإخلاء للاعتقال، رغم تأكيدهم وجودهم داخل الأراضي السودانية وأن سلطة إخلاء المنطقة تعود إلى السلطات السودانية. وأضاف الشهود أن بعض المعتقلين يُنقلون إلى داخل مصر، حيث يتعرضون للضغط والإجبار على تسجيل مقاطع فيديو تتضمن تصريحات عن أنشطتهم، قالوا إن بعض أفراد شركة شلاتين يلقّنونهم مضمونها.
وكشف شهود أيضاً عن محاولات قالوا إن عناصر من الشركة يقودونها لاستقطاب معدّنين سودانيين وأفراد من الإدارات الأهلية، وتجنيدهم للعمل مع جهات أمنية مصرية.
وتثير هذه الشهادات تساؤلات بشأن تداخل نشاط الشركة التعديني مع التحركات الأمنية المصرية داخل السودان، وموقف سلطة بورتسودان من عمليات تمس سيادة البلاد وحق المعدّنين السودانيين في العمل داخل أراضيهم.
إخلاء المناجم بالقوة.. هل يُمهَّد الطريق للسيطرة على ذهب السودان؟
يتزامن إبعاد المعدّنين السودانيين من شمال الوادي مع خطط شركة شلاتين لزيادة إنتاجها من نحو 950 كيلوغراماً في 2025 إلى 1.15 طن في 2026، وصولاً إلى ستة أطنان سنوياً بحلول 2030. وتشمل الخطط توسيع مناطق الاستكشاف، وتطوير منجم إيقات، وإنشاء مجمع صناعي لمعالجة الذهب في دهميت بأسوان.
ويعكس هذا التوسع توجهاً نحو زيادة الإنتاج الرسمي وتعزيز السيطرة على استخراج الذهب وشرائه ومعالجته وتسويقه. وفي المقابل، تتحدث الشهادات الميدانية عن مسوحات جيولوجية داخل السودان وتحركات لحرس الحدود المصري، تزامنت مع إخلاء مواقع التعدين الأهلي واعتقال بعض الرافضين للمغادرة.
وتطرح هذه الوقائع مجتمعة تساؤلات بشأن ما إذا كانت التحركات تمهّد لفرض السيطرة على مناطق سودانية غنية بالذهب وتهيئة المجال أمام أنشطة تعدين أكثر تنظيماً وربحية. كما يثير تساؤلات عن دور شركة شلاتين في هذه التحركات وصلتها بالهجمات الجوية، في ظل عدم توافر أدلة مستقلة تثبت مسؤوليتها المباشرة عن القصف.
وتبقى القاهرة مطالبة بتوضيح طبيعة نشاط الشركة داخل السودان والجهات التي تقف وراء عمليات الإخلاء والهجمات، فيما تواجه سلطة بورتسودان أسئلة بشأن موقفها من تحركات تجري داخل الأراضي السودانية وتطال سيادتها ومواردها المعدنية.











