ذهب السودان.. بين صفقات التسليح وتعزيز الاحتياطي المصري

ذهب السودان.. بين صفقات التسليح وتعزيز الاحتياطي المصري
السلطة نت- تقرير
18 طناً من ذهب السودان إلى مصر.. 2.24 مليار دولار لصفقات السلاح ومسيّرات “بيرقدار” التي اشترطت القاهرة تشغيلها من أراضيها، في بلد ينهشه الجوع
في زمن الحرب، بينما يواجه ملايين السودانيين الجوع والنزوح وانهيار الخدمات، أطنان من ذهب السودان تعبر الحدود إلى مصر، في صفقات ارتبط بعضها بتمويل السلاح والذخائر والطلعات الجوية داخل السودان. وتكشف إفادة مصدر عسكري سوداني أن الكميات التي انتقلت إلى مصر خلال عامين تتجاوز 18 طناً، بقيمة تتخطى ملياري دولار، وأن جزءاً من هذه الثروة استُخدم في شراء طائرات مسيّرة تركية من طراز “بيرقدار”. حيث تضع هذه المعلومات ذهب السودان داخل منظومة اقتصاد الحرب، وتطرح أسئلة هامة عن الجهة التي تتصرف في الذهب، والجهات المستفيدة من عائداته، وما إذا كانت موارد السودانيين تُستخدم لتمويل حرب يدفعون ثمنها قتلاً وجوعاً وتشريداً.
وبحسب معلومات متقاطعة أوردتها تقارير ومصادر، فقد تسلّمت مصر نحو 13 طناً من الذهب السوداني خلال أقل من شهرين ونصف، إضافة إلى خمسة أطنان وصلت قبل ذلك بنحو شهر ونصف، لترتفع الكمية الإجمالية إلى قرابة 18 طناً. وأشارت التقارير إلى أن عمليات التسليم جرت عبر الشركة المصرية السودانية المشتركة، وأن جزءاً من الذهب دخل في تعزيز احتياطي البنك المركزي المصري، مع توقعات بوصول كميات إضافية خلال الفترة المقبلة.
وتأتي هذه المعلومات في ظل تقارير بحثية وصحفية وثّقت تدفق كميات كبيرة من الذهب السوداني إلى مصر خلال الحرب، بينها دراسة لمعهد تشاتام هاوس قدّرت تهريب أكثر من 60 طناً خلال الفترة من أبريل 2023 إلى نهاية 2024
قيمة الذهب وسط الأزمة
وتبلغ قيمة 18 طناً من الذهب نحو 2.24 مليار دولار، وفق السعر العالمي الاسترشادي البالغ نحو 124.5 دولاراً للغرام، مع افتراض نقاوة الذهب الخالص. ويعادل ذلك أكثر من ملياري دولار من الموارد التي تخرج من بلد يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. وهذه القيمة تقديرية، وقد تتغير بحسب درجة النقاء وسعر البيع الفعلي وتكاليف التكرير والنقل.
تجارة الذهب وقنوات التهريب
وتكتسب هذه المعلومات أهمية إضافية عند مقارنتها بما نُشر سابقاً عن تجارة الذهب بين السودان ومصر. فقد كشف تحقيق نشره موقع “العربي الجديد” في أغسطس 2026، استناداً إلى وثائق مسربة من الشركة المصرية السودانية، أن مصر استوردت 4.9 أطنان من الذهب السوداني خلال عام 2025، بقيمة قُدرت بنحو 517 مليون دولار، وأن قيمة صادرات الذهب السوداني إلى مصر بلغت 225 مليون دولار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026.
وتشير بيانات التجارة الدولية التي نشرها البنك الدولي إلى تسجيل واردات مصر من الذهب السوداني بنحو 1.2 طن في عام 2025، بقيمة تقارب 112 مليون دولار. ويكشف التباين بين هذه البيانات والتقديرات الواردة في التحقيق الصحفي عن صعوبة تتبع تجارة الذهب السوداني، خصوصاً مع اتساع التهريب وتعدد قنوات التصدير والتعاملات غير المسجلة.
أما الشركة المصرية السودانية، المشار إليها باعتبارها قناة لنقل الذهب، فهي ليست كياناً أُنشئ حديثاً وفق المعلومات المنشورة، إذ يعود إطلاقها الرسمي في القاهرة إلى أبريل 2021، وتكشف الوثائق التي حصل عليها “العربي الجديد” عن دور متزايد لها في التجارة بين البلدين خلال الحرب، بما في ذلك تجارة الذهب والتعامل مع جهات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية السودانية.
وتتزايد المخاوف بشأن هذه التدفقات في ضوء ما توصلت إليه دراسة لمعهد تشاتام هاوس، أشارت إلى أن أكثر من 60 طناً من الذهب السوداني ربما هُرّبت إلى مصر بين أبريل 2023 ونهاية 2024. كما نقلت الدراسة عن وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم أن مسؤولين من دولة مجاورة أبلغوه بدخول 48 طناً من الذهب السوداني إلى أراضيها خلال عام 2024، في إشارة فهمت على نطاق واسع أنها تشير إلى مصر.
الذهب مقابل السلاح والعمليات الجوية
وتذهب إفادة مصدر عسكري سوداني رفيع إلى أبعد من الأرقام المتداولة عن تسليم مصر 18 طناً من الذهب، إذ يقول إن الكميات التي انتقلت إلى مصر خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2024 إلى أكتوبر 2026 تتجاوز هذا الرقم بكثير. ويضيف المصدر أن قيمة الذهب استُخدمت وفق معلوماته، مقابلاً لتمويل احتياجات عسكرية، شملت صفقات أسلحة وشراء ذخائر، إلى جانب تمويل طلعات جوية لسلاح الجو المصري داخل الأراضي السودانية.
وتشير إفادة المصدر العسكري إلى وجود شخص محوري في هذه الترتيبات، يُدعى أحمد عبدالله، يتولى دوراً أساسياً في عملية تسليم الذهب إلى مصر ومتابعة شراء الطائرات المسيّرة.
ويكتسب ذكر هذا الاسم أهمية إضافية في ضوء العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية عليه في 16 يناير 2025.
وبحسب بيان الخزانة الأميركية، فإن أحمد عبد الله، وهو مواطن سوداني أوكراني ومسؤول في منظومة الصناعات الدفاعية التابعة للجيش السوداني، شغل منصب مدير العمليات في شركة «بورتكس تريد ليمتد» المسجلة في هونغ كونغ. واتهمته واشنطن بتنسيق شراء طائرات مسيّرة إيرانية الصنع من شركة دفاعية أذربيجانية وشحنها إلى السودان، وفرضت عليه العقوبات بسبب عمله لصالح منظومة الصناعات الدفاعية الخاضعة للعقوبات الأميركية.
وتضع هذه الإفادة تجارة الذهب في سياق يتجاوز التبادل التجاري بين البلدين، إلى ارتباطها بتدفقات المعدن النفيس بتمويل العمليات العسكرية المصرية في السودان، وباستمرار إمداد الجيش السوداني بالسلاح والذخائر.
مسيّرات بيرقدار من داخل مصر
ويكشف المصدر العسكري عن جانب آخر من الترتيبات، قائلاً إن جزءاً من قيمة الذهب السوداني استُخدم في شراء طائرات مسيّرة تركية من طراز “بيرقدار”، غير أن الجانب المصري اشترط تشغيل هذه الطائرات من داخل الأراضي المصرية، وليس من القواعد العسكرية السودانية.
وبحسب المصدر، فإن هذا الشرط يرتبط بالترتيبات العسكرية المصرية داخل السودان، إذ يتيح تشغيل الطائرات من الأراضي المصرية تنفيذ عمليات جوية داخل السودان مع الاحتفاظ بالسيطرة على مواقع الإقلاع والتشغيل والدعم الفني خارج الأراضي السودانية. ويضيف أن هذه الصفقة تأتي ضمن ترتيبات شملت تمويل شراء الذخائر وصفقات السلاح وتكاليف طلعات جوية مصرية داخل السودان.
وتكتسب هذه الإفادة أهمية في ضوء ما كشفته صور الأقمار الصناعية والتحقيقات الصحفية عن وجود طائرات مسيّرة تركية من طراز “بيرقدار أقنجي” في قاعدة شرق العوينات المصرية، واستخدامها في عمليات عسكرية داخل السودان.
ذهب مقابل سلاح في بلد يواجه الجوع
في بلد يحتاج ملايين من مواطنيه إلى الغذاء والدواء والمياه والمأوى، تصبح قيمة هذه الكميات من الذهب سؤالاً مباشراً عن الأولويات والشفافية. وتبدو المفارقة واضحة عند مقارنة قيمة الذهب بحجم الكارثة الإنسانية في السودان. فوفق خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2026، يحتاج نحو 33.7 مليون شخص إلى المساعدات الإنسانية، بينهم 20.4 مليوناً تستهدف الخطة الوصول إليهم، بتمويل مطلوب يبلغ نحو 2.87 مليار دولار. وهذا يعني أن قيمة 18 طناً من الذهب تعادل قرابة 78 في المئة من إجمالي التمويل المطلوب للاستجابة الإنسانية خلال العام.
ولم تصدر حتى الآن بيانات رسمية توضح تفاصيل الكميات المتداولة، بما في ذلك مصدر الذهب والجهات التي تولت بيعه، والأسعار التي تمت بها الصفقات، والعائدات التي حصل عليها السودان والجهات التي تسلمتها.
وبينما تتحدث المعلومات عن كميات إضافية في الطريق إلى مصر، يظل السؤال: من يقرر مصير الذهب؟ ولحساب من تُدار عائداته؟ وما الذي يحصل عليه المواطنون من ثروات بلادهم، وهم يواجهون الجوع والنزوح وانهيار الخدمات؟











