الإخوان من أسطورة الأمن إلى أزمة الدولة السودانية

الإخوان من أسطورة الأمن إلى أزمة الدولة السودانية
السلطة نت – متابعات
في خطوة تعكس تحوّلًا استراتيجيًا، وضعت الولايات المتحدة ملف السودان ضمن دائرة الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، معلنة أن ملاحقة جماعة الإخوان المسلمين جزء من خطتها الجديدة لعام 2026م.
هذا التحوّل يعكس إدراكًا متأخرًا لتشابك الحرب السودانية مع أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، فضلًا عن النفوذ الإيراني المتصاعد.
غير أن هذا الإدراك يبقى ناقصًا إذا اقتصر على البعد الأمني دون الغوص في الجذور التاريخية التي أنتجت الأزمة.
فالأزمة السودانية لم تكن يومًا حكرًا على الإسلاميين أو الطائفية أو حتى المؤسسة العسكرية، بل هي نتاج طبقة سياسية بارعة في ارتداء الأقنعة وتبديلها وفق مقتضيات اللحظة.
هذه النخب، التي خرجت من فقر الشمال وقحطه، وجدت أن السيطرة على الدولة أسهل من المنافسة في الاقتصاد أو التنمية، فابتكرت هوية “الجلابي” كعقل سياسي قائم على احتكار السلطة وإعادة إنتاج الهيمنة عبر شعارات وأيديولوجيات متبدلة.
الإسلام السياسي في السودان لم يكن سوى أحد هذه الأقنعة، حيث وظّفته النخب المركزية لإعادة تدوير سلطتها. لذلك يصعب الفصل بين الإسلاموي والطائفي والقومي واليساري المنتمي إلى ذات المركز؛ فالاختلاف كان في اللغة لا في جوهر النظرة للدولة والهامش. الجميع تعامل مع الريف باعتباره مجالًا للتعبئة أو الخضوع، لا شريكًا متساويًا في الوطن.
الحرب الأخيرة أسقطت الأقنعة، وكشفت أن الجيش لم يكن مؤسسة وطنية جامعة، بل أداة لحماية امتيازات المركز حتى لو كان الثمن تدمير الأطراف. ومع انهيار هذه المعادلة، بدأت الهوامش تبحث عن تحالفات جديدة، إدراكًا بأن زمن الإخضاع قد انتهى.
الأزمة الحقيقية للنخب المركزية تكمن في افتقارها لعناصر الهيمنة التقليدية: لا ثقل ديمغرافي، ولا امتداد اقتصادي، ولا احتكار فعلي للعنف. لذلك لجأت إلى صناعة الأصنام الرمزية، محتكرة تعريف “المثقف القومي” و”الزعيم الوطني”، بينما همّشت أصوات الريف والأطراف. حتى المجتمع المدني، الذي قُدِّم كبديل تقدمي، وقع في فخ الشبكات المغلقة واللغة الحداثوية المحتكرة.
وعليه، فإن اختزال الأزمة السودانية في “الإخوان المسلمين” يشبه معالجة الحمى دون الالتفات إلى المرض. فالإسلاميون ورثوا بنية الهيمنة ولم يبتكروها، لكنهم فضحوها بعجالة وأظهروا هشاشتها.
لذلك فإن تفكيك التنظيمات الإسلاموية، مهما كان ضروريًا أمنيًا، لن يبني سودانًا جديدًا ما لم يُطرح السؤال الأعمق: من احتكر تعريف الدولة منذ الاستقلال؟ وكيف يمكن إعادة توزيع السلطة والمعنى معًا؟
الأجيال الجديدة بدأت تدرك أن التحرر لا يبدأ بالبندقية وحدها، بل بتحرير الوعي من قداسة المركز. فهدم الأصنام الرمزية ليس معركة ثقافية ثانوية، بل جزء من مشروع التحرر نفسه.
النهضة الحقيقية لن تأتي عبر استجداء الاعتراف من مركز مأزوم، بل عبر بناء فضاءات مستقلة تعبّر عن تنوع السودان وأقاليمه، بعيدًا عن أساطير الهيمنة القديمة.
شارك هذا الموضوع











