تقارير

70عاماً من القلق.. وثيقة أمريكية تكشف مخاوف مصر بشأن السودان

70 عاماً من القلق.. وثيقة أمريكية تكشف مخاوف مصر بشأن السودان

السلطة نت – متابعات

تقرير – محمد الهادي

لم تكن مصر يوماً مرتاحة تماماً لفكرة وجود سودان مستقل يمتلك قراره السياسي ويحدد مصالحه بعيداً عن إملاءات القاهرة.

قبل أكثر من سبعين عاماً، كانت المخاوف المصرية من استقلال السودان واضحة، وكانت القاهرة تدرك أنها لا تملك القوة الكافية لفرض الوحدة على السودانيين، فاتجهت إلى محاولة التأثير في خياراتهم السياسية، بحثاً عن نفوذ يضمن مصالحها.

هذه ليست قراءة مستمدة من خصومة سياسية مع مصر، وإنما خلاصة ما تكشفه وثيقة استخباراتية أمريكية تعود إلى الأول من أغسطس 1955.

الوثيقة، الصادرة عن مكتب البحوث الاستخباراتية بوزارة الخارجية الأمريكية، بعنوان “الآثار المترتبة على العلاقات المصرية السودانية في حال استقلال السودان”، تقدم صورة مبكرة لطبيعة الحسابات المصرية تجاه السودان.

وتكشف أن القضية لم تكن مجرد خلاف حول الوحدة والاستقلال، وإنما صراعاً على مستقبل القرار السوداني، وعلى قدرة القاهرة على ضمان مصالحها داخل دولة يفترض أنها جارتها المستقلة.

القاهرة لا تريد سوداناً خارج نفوذها

في عام 1955، كانت القوى السياسية السودانية تتجه نحو الاستقلال، بعدما تراجع الحزب الوطني الاتحادي عن مشروع الوحدة مع مصر. ورغم الخلافات بين الحزب الوطني الاتحادي وحزب الأمة، اتفق الطرفان على استقلال البلاد، ما وضع المشروع المصري أمام واقع سياسي لم تكن القاهرة ترغب فيه.

بحسب الوثيقة الأمريكية، كان نظام جمال عبد الناصر يعتقد أن مصالح مصر ستتحقق بصورة أفضل من خلال اتحاد البلدين، على أن يكون للقاهرة الصوت المهيمن في السياسات المتعلقة بالمصالح المشتركة.

هنا تكمن المشكلة، لم يكن المطلوب مجرد علاقات حسن جوار، وإنما ترتيب سياسي يمنح مصر موقعاً متقدماً في تحديد القرارات التي تمس مصالح البلدين. وعندما اتجه السودانيون إلى خيار مختلف، بدأت القاهرة تبحث عن وسائل أخرى للحفاظ على تأثيرها.

كانت مصر تدرك أن فرض الوحدة بالقوة ليس خياراً متاحاً بسهولة. فالوثيقة تشير إلى محدودية قدراتها العسكرية على السيطرة على السودان ضد إرادة سكانه، فضلاً عن انشغالها بالتوترات مع إسرائيل. لذلك لم يكن أمامها سوى العمل على التأثير في القوى السياسية السودانية ومحاولة تغيير اتجاهاتها.

حين تعجز القاهرة عن فرض إرادتها

ترصد الوثيقة جهوداً مصرية مكثفة لاستمالة القيادات السودانية بين عامي 1953 و1954، تحت إشراف صلاح سالم، وزير شؤون السودان آنذاك. كما تشير إلى نشاط مصري متزايد في جنوب السودان، بالتزامن مع تعثر المفاوضات بشأن مياه النيل.

وقدّرت الوثيقة أن القاهرة كانت تحاول استمالة الجنوبيين لكسب تأييدهم لمشروع الوحدة مع مصر، مستغلةً الاختلافات الثقافية والسياسية بين الجنوب والشمال.

ورأت أن مصر ربما اعتبرت الجنوب نقطة ضعف يمكن النفاذ منها لإضعاف الحركة المطالبة باستقلال السودان، وإبقاء الباب مفتوحاً أمام مشروع الارتباط بمصر.

لكن هذه المحاولات واجهت عقبة أساسية: انعدام الثقة بمصر لدى كثير من القيادات الجنوبية، التي لم تكن ترى في القاهرة حليفاً موثوقاً. وهكذا، لم تكن مصر تواجه فقط رفضاً سياسياً لمشروع الوحدة، وإنما شكوكاً في دوافعها وأهدافها أيضاً.

تكشف هذه الوقائع أن القاهرة لم تكن مستعدة ببساطة للتعامل مع استقلال السودان باعتباره خياراً سياسياً يقرره السودانيون وحدهم. فقد حاولت التأثير في القوى التي تصنع القرار، والبحث عن ثغرات داخلية يمكن استغلالها لتغيير اتجاه البلاد.

مياه النيل.. المصلحة التي تبرر كل شيء؟

تضع الوثيقة مياه النيل في مقدمة الحسابات المصرية. فالقاهرة، التي تعتمد على نهر النيل في حياتها واقتصادها، كانت تخشى أن يؤدي استقلال السودان إلى خلافات تهدد حصتها المائية. وقد تعثرت المفاوضات بين البلدين بشأن تقاسم المياه خلال عامي 1954 و1955، من دون التوصل إلى اتفاق ملموس.

وتكشف الوثيقة بوضوح أن مصر كانت مستعدة للتدخل بالقوة في السودان إذا شعرت بأن مصالحها المائية مهددة. فالقاهرة لم تكن تنظر إلى مياه النيل باعتبارها قضية تفاوض بين دولتين مستقلتين، وإنما مصلحة استراتيجية تبرر التدخل في الشأن السوداني، حتى بالقوة العسكرية.

ومنذ ذلك الوقت، ظلت المصالح المصرية حاضرة في صلب التعامل مع السودان، بوصفها أولوية تتقدم على حق السودانيين في إدارة شؤون بلادهم وتحديد مستقبلهم.

ومن حق مصر أن تدافع عن مصالحها المائية عبر التفاوض والاتفاقات العادلة، لكن ليس من حقها أن تحول حاجتها إلى مياه النيل إلى مبرر للتدخل في خيارات السودان أو التأثير في قراره السياسي. فالنهر المشترك لا يمنح القاهرة وصاية على الخرطوم، كما أن المصالح المصرية لا تتقدم تلقائياً على حق السودانيين في تقرير مستقبلهم.

استقلال السودان ليس منحة مصرية

المشكلة التي تكشفها الوثيقة أعمق من خلاف تاريخي حول الوحدة. إنها تتعلق بنظرة ترى السودان مجالاً استراتيجياً ينبغي أن تبقى قراراته الأساسية متوافقة مع المصالح المصرية، حتى عندما يختار شعبه طريقاً مختلفاً.

لقد نال السودان استقلاله في الأول من يناير 1956، رغم المحاولات المصرية للحفاظ على مشروع الوحدة. لكن انتهاء الحكم الثنائي لم ينهِ أهمية السودان في الحسابات المصرية، بحكم الجغرافيا ومياه النيل والحدود والمصالح الاقتصادية والأمنية.

وقد وثّقت الاستخبارات الأمريكية منذ عام 1955 قلق مصر من استقلال السودان، وكشفت محاولات القاهرة التأثير في خياراته السياسية وإضعاف القوى الداعمة للاستقلال، بعدما عجزت عن فرض الوحدة بالقوة.

ومنذ ذلك الوقت، ظل السودان في الحسابات المصرية مجالاً استراتيجياً تسعى القاهرة إلى ضمان نفوذها فيه، والتحكم في القرارات التي تمس مصالحها، حتى عندما تتعارض تلك المصالح مع حق السودانيين في تقرير مستقبل بلادهم.

وبعد أكثر من سبعين عاماً، يبقى الدرس الأهم أن ضعف السودان وانقسام قواه السياسية لا ينبغي أن يتحولا إلى فرصة لأي دولة، مهما كانت الروابط التاريخية أو المصالح المشتركة.

فالعلاقة المتكافئة لا تقوم على استتباع القرار السوداني، ولا على التعامل مع السودان باعتباره عمقاً استراتيجياً لمصر وحدها، وإنما على الاعتراف بأن له مصالحه المستقلة وحقه في تحديد علاقاته وتحالفاته.

لم يكن استقلال السودان هدية من القاهرة، ولم يكن من حق مصر أن تقرر للسودانيين كيف يحكمون بلادهم. وما تكشفه وثيقة 1955 هو أن معركة الاستقلال لم تكن فقط من أجل رفع العلم السوداني، وإنما من أجل امتلاك القرار الذي يحدد ما وراء ذلك العلم.

 

 

شارك هذا الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى