تقارير

من هو طارق مدني العقل المدبر لبرنامج الأسلحة الكيميائية؟

السر المظلم للجيش السوداني : من هو “طارق مدني” العقل المدبر لبرنامج الأسلحة الكيميائية؟

السلطة نت – متابعات

​يكشف تحقيق استقصائي موسع نشرته صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية عن تفاصيل بالغة الخطورة بشأن برنامج سري لتصنيع الذخائر الكيميائية في السودان، مستنداً إلى وثائق داخلية، ومقاطع فيديو، ورسائل نصية وصور حصلت عليها الصحيفة من مصادر أمنية في الشرق الأوسط.

ويسلط الملف الضوء على الدور المحوري للعميد طارق حسين محمد مدني، الذي تحول من ضابط ذي إمكانيات محدودة إلى المنسق الرئيسي لهذا البرنامج المحرم دولياً، في تطور يعيد طرح التساؤلات حول طبيعة التمكين العقائدي داخل المؤسسة العسكرية وارتباطاتها بالتنظيمات المتطرفة.

​خريطة الدم: منشآت سرية وتحويل مسار الكلور

​يوثّق التحقيق الاستقصائي عمليات إنتاج وتجميع للرؤوس الحربية الكيميائية داخل منشآت عسكرية حساسة، تخللتها تجارب ميدانية في مناطق صحراوية نائية.

وأظهرت المستندات أن القائمين على البرنامج عمدوا إلى تحويل جزء من إمدادات مادة الكلور المخصصة أساساً لتعقيم مياه الشرب واستخدامها في أغراض عسكرية محظورة.

وتكشف المراسلات المسربة عن مناقشات دقيقة حول مواصفات الرؤوس الحربية، وصور لعمليات تجميع القنابل، وتسجيلات صوتية تتطرق إلى إنتاج وتخزين مئات قنابل الكلور في قاعدة مروي العسكرية.

​صعود مشبوه : من مقاعد الدراسة إلى مظلة الحركة الإسلامية

​ترسم الوثائق مساراً تصاعدياً مثيراً للريبة للعميد طارق مدني، المولود في 15 مايو 1971 بقرية القرير التابعة لمحلية مروي بالولاية الشمالية.

فقد انخرط مدني في تنظيم الحركة الإسلامية مبكراً خلال مراحله الدراسية الثانوية عام 1990، قبل أن يلتحق بالكلية الحربية عام 1993 ضمن الدفعة 43 ليتخرج برتبة ملازم عام 1995 منضمماً إلى سلاح الأسلحة والذخائر.

وتشير السجلات إلى أن مدني وُصف في بداياته العسكرية بضابط دون المستوى العادي وبإمكانيات محدودة للغاية جعلته يتخرج في ذيل دفعته.

​إلا أن نقطة التحول الكبرى في مسيرته جاءت عام 2002، حين رُشّح من قبل زميل دفعته، القيادي الإسلامي داخل القوات المسلحة الطاهر الفكي الطاهر البديري، للانتقال إلى هيئة التصنيع الحربي (لاحقاً: منظومة الصناعات الدفاعية) برتبة نقيب. وتدرج مدني في مهامه حتى انتقل للعمل في جهاز تطوير أنظمة الأمن الدفاعي تحت إمرة الفريق عمر زين العابدين، الذي يُعد أحد أبرز المهندسين الذين أشرفوا على عمليات تجنيد وتمكين الضباط الإسلاميين داخل الجيش السوداني منذ عام 1989.

​شبكة الإمداد الدولية والعقوبات الأمريكية

​بلغ هذا الصعود المريب ذروته بتعيين مدني مديراً عاماً لشركة “الهدف للأنشطة المتعددة المحدودة” (TMAC)، التابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية عبر مجموعة “جياد” الصناعية العسكرية.

وقد توجت هذه الأنشطة المشبوهة بفرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات رسمية في يونيو 2026 استهدفت مدني وشركته، بعد أن لعبت الأخيرة دور قناة استيراد رئيسية للمتفجرات والمواد ذات الصلة من شركات إقليمية ودولية، من بينها شركة “SBL Energy Limited” الهندية التي زودت الشركة بأكثر من 200 شحنة متفجرات منذ عام 2024، استُخدم بعضها في قنابل نشرتها القوات المسلحة السودانية.

​تناقضات التحقيق الرسمي: المتهم محققاً

​يحفل الملف بمحطات بالغة الغرابة؛ فعندما تواصلت “واشنطن بوست” مع الرقم المرتبط بالرسائل الخاصة بالبرنامج، رد شخص أقر بأن اسمه طارق، لكنه نفى تماماً أي علم أو مشاركة له في إنتاج أسلحة كيميائية، معتبراً أن الأمر شأن عسكري بحت.

وفي مفارقة صارخة تكشف عنها الوثائق، صدر في يوليو 2025 توجيه يحمل توقيع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان يقضي بتشكيل لجنة سودانية للتحقيق في اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية، وتضمن القرار  إدراج اسم طارق مدني نفسه ضمن أعضاء اللجنة بحجة “خبرته”؛ وهو إجراء يعصف بأي فرص لاستقلالية التحقيق ونزاهته.

​إن انتقال ضابط بمهام إدارية وخبرة متواضعة إلى واجهة برنامج تسليح كيميائي سري، وتوسطه في مراسلات مباشرة مع رأس الهرم العسكري، وإدراجه لاحقاً على قوائم العقوبات الدولية قبل اختياره عضواً في لجنة التحقيق في ذات الجريمة، يفتح الباب واسعاً أمام أسئلة مصيرية حول طبيعة الرعاية المؤسسية التي حظي بها، وحجم تورط شبكات الحركة الإسلامية في توريط المؤسسة العسكرية في انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب بمواثيق القضاء الدولي.

 

 

شارك هذا الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى