اخبار

من وادي حلفا إلى شمال الوادي – الجيش والتفريط المستمر في السيادة السودانية

من وادي حلفا إلى شمال الوادي – الجيش والتفريط المستمر في السيادة السودانية

 

السلطة نت – متابعات

 

بقلم – محمد الهادي

 

كلما وقعت أزمة بين السودان ومصر تتعلق بالأرض أو الحدود أو الموارد، يعود السؤال المحزن من جديد: لماذا تبدو الخرطوم دائماً عاجزة عن الدفاع عن المصالح السودانية؟ ولماذا تتكرر التنازلات المتعلقة بالسيادة الوطنية في ظل الحكم العسكري، بينما تظل العلاقة مع القاهرة محكومة بحسابات لا يعرف السودانيون الكثير عن تفاصيلها؟

 

في الأيام الأخيرة، أعادت الغارات الجوية المصرية التي استهدفت معدّنين سودانيين في منطقة شمال الوادي، إلى جانب ما أُثير بشأن وجود قوات مصرية داخل الأراضي السودانية، قضية السيادة الوطنية إلى الواجهة. وتعيد هذه التطورات إلى الذاكرة وقائع سابقة دفعت فيها البلاد أثماناً باهظة، من إغراق مدينة وادي حلفا وتهجير سكانها لإقامة السد العالي، إلى استمرار السيطرة المصرية على مثلث حلايب وشلاتين منذ تسعينيات القرن الماضي.

 

قد تتباين هذه الوقائع في ظروفها التاريخية والقانونية والسياسية، لكنها تلتقي عند سؤال محوري يتعلق بقدرة الدولة السودانية على حماية حقوقها وسيادتها. ففي وادي حلفا، تحمّل السكان كلفة اتفاق إقامة السد العالي، فغُمرت مدينتهم وهُجّروا من أرضهم في سياق ترتيبات اتخذتها الدولتان المصرية والسودانية.

 

وفي حلايب وشلاتين، أدى النزاع الحدودي واستمرار السيطرة المصرية على المنطقة منذ عام 1995 إلى تكريس واقع ميداني لم تستطع الحكومات السودانية تغييره.

 

وأعادت الغارات الجوية المصرية التي استهدفت معدّنين سودانيين في منطقة شمال الوادي، إلى جانب التقارير المتداولة عن وجود قوات مصرية داخل الأراضي السودانية، تسليط الضوء على عجز سلطة بورتسودان عن حماية المواطنين وصون السيادة الوطنية.

 

تكشف هذه الوقائع صوراً مقلقة عن تفاوت واضح في القدرة على حماية المصالح السودانية، وتبقى مسؤولية السلطة السودانية مرتبطة بقدرتها على الدفاع عن الحقوق الوطنية والتحقق من الانتهاكات ومواجهتها

 

وهنا تبرز المفارقة بين مصلحة الدولة السودانية وحسابات المؤسسة العسكرية، فحين يتم تقديم اعتبارات بقاء السلطة وترتيباتها الإقليمية على مقتضيات السيادة الوطنية، تصبح مصالح البلاد وحقوق مواطنيها عرضة للتفريط.

 

فقد تجاوزت الأزمة الراهنة الخلافات الحدودية لتضع طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية السودانية والقاهرة موضع تساؤل، وتطرح سؤالاً جوهرياً: هل تحولت المؤسسة العسكرية إلى أداة للنفوذ المصري في السودان؟

 

وللاجابة على هذا السؤال، لا بد من العودة إلى جذور نشأة المؤسسة العسكرية السودانية، وتتبع تطور علاقتها بمصر منذ مرحلة التأسيس.

 

فقد تأسس الجيش السوداني الحديث عام 1925 في ظل الحكم الثنائي البريطاني المصري، وكانت مصر آنذاك شريكاً في الحكم الثنائي الذي أدار السودان إلى جانب بريطانيا.

 

وتطورت علاقة الجيش العسكرية مع مصر بعد الاستقلال عبر التدريب وتبادل الخبرات والتواصل بين القيادات.

 

ومع انقلاب إبراهيم عبود عام 1958، دخل السودان مرحلة طويلة من الحكم العسكري، شهدت خلالها البلاد قرارات كبرى تحمل المواطنون كلفتها، من تهجير سكان وادي حلفا لإقامة السد العالي إلى استمرار السيطرة المصرية على حلايب وشلاتين في عهد الرئيس السابق عمر البشير منذ تسعينيات القرن الماضي.

 

وفي ظل هذا الامتداد للحكم العسكري، تعزز التعاون بين الجيشين السوداني والمصري على مدى عقود، بدءاً من اتفاقية الدفاع المشترك عام 1976، وصولاً إلى اتفاق التعاون العسكري في مارس 2021 والمناورات المشتركة. وأسهمت هذه الروابط في تقارب التصورات الأمنية بين القيادتين، ما يطرح تساؤلات حول مدى استقلال القرار العسكري السوداني وتأثر أولوياته بالمصالح المصرية.

 

وتنبع أهمية هذه التساؤلات من أن النفوذ الخارجي لا يتطلب دائماً تدخلاً مباشراً في صناعة القرار، فقد يتشكل تدريجياً عبر علاقات مؤسسية ومصالح مشتركة تجعل حسابات الشراكة مع القاهرة تتقدم على واجب المؤسسة العسكرية في حماية مصالح السودان والخضوع للمساءلة أمام شعبه.

 

بعد ثورة ديسمبر 2018، كان الجيش في مركز السلطة، ثم احكم قبضته على السلطة بعد انقلاب أكتوبر 2021، ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، واصلت القاهرة التعامل مع قيادة الجيش باعتبارها شريكها الرئيسي في السودان، وقد عزز ذلك موقع المؤسسة العسكرية بوصفها القناة الأساسية للنفوذ المصري في البلاد.

 

وتكشف التطورات الراهنة خطورة هذه العلاقة عندما يتعلق الأمر بالسيادة. فاستهداف المعدّنين السودانيين في شمال الوادي، وما أثير بشأن التحركات العسكرية المصرية داخل الأراضي السودانية، يضع الجيش بجانب سلطة بورتسودان أمام مسؤولية مباشرة للدفاع عن المواطنين، والتحقق من الانتهاكات، ومواجهة أي اعتداء على الأراضي السودانية.

 

ولا يمكن أن تكون الشراكة مع القاهرة مبرراً للصمت أو التهاون في حماية الحقوق الوطنية.

 

إن المشكلة ليست في التعاون مع مصر، فالعلاقات بين البلدين ضرورة جغرافية واستراتيجية، وإنما في اختلال التوازن داخل هذه العلاقة، وفي غياب مؤسسات سودانية مستقلة وقادرة على فرض المصالح الوطنية.

 

فالدولة التي تحتكر فيها المؤسسة العسكرية السلطة، وتضعف فيها الرقابة المدنية، تصبح أكثر عرضة لتحويل علاقاتها الخارجية إلى امتدادات لسلطة القيادات ومصالحها.

 

كما أن السودان لن يستعيد سيادته بمجرد استبدال قائد عسكري بآخر، وإنما ببناء جيش مهني يخضع لسلطة مدنية دستورية، وتكون مهمته حماية البلاد ومواطنيها، مع إخضاع الاتفاقيات العسكرية والعلاقات الخارجية للشفافية والمساءلة.

 

السودان لا يحتاج إلى العداء مع مصر، وإنما إلى علاقة متكافئة لا يخشى فيها مسؤول سوداني المطالبة بحقوق بلاده، ولا يجد فيها المواطن نفسه وحيداً عندما تتعرض أرضه أو حياته للخطر.

 

ويظل التحدي الأكبر أمام السودانيين هو تفكيك بنية النفوذ المصري داخل المؤسسة العسكرية، وإعادة بناء جيش وطني يستند في قراراته إلى مصالح السودان وحدها، بما يضمن استقلال القرار الوطني ويحمي سيادة البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى