من السلطة الرابعة إلى «سلطة الإشعار الأخضر»: تهاوي الخطاب الإعلامي وتزييف الوعي

من السلطة الرابعة إلى «سلطة الإشعار الأخضر»: تهاوي الخطاب الإعلامي وتزييف الوعي
السلطة نت – متابعات
د. عزام عبدالله إبراهيم.
طالما عُرفت الصحافة في العصر الحديث بـ «السلطة الرابعة»، نظراً لقدرتها الفائقة على توجيه الرأي العام، وكشف الفساد، ومساءلة الحكومات. بيد أن هذا الدور الرقابي النبيل يتشوه في الأنظمة التسلطية والديكتاتورية، ليتحول الإعلام إلى أداة طيعة بيد السلطة؛ تبرر أفعالها، وتصرف أنظار الشعوب عن قضاياهم المعيشية المصيرية عبر سياسات الإلهاء وافتعال «الترندات». وفي أبشع صور هذا الانحدار، يصبح الإعلاميون المرتزقة بووقاً يصفق للخراب وكأنه إنجاز، تماماً كما جرى في السودان طوال عقود حكم «الجبهة الإسلامية» (الكيزان)، حيث سُخّر الإعلام لترسيخ ما أُطلق عليه مجازاً «المشروع الحضاري»، عبر صناعة جيش من الانتهازيين لتوجيه الرأي العام وفق مصالح السلطة الحاكمة.
مع اندلاع الحرب الحالية في السودان، انتقلت معركة التأثير إلى وسائط التواصل الاجتماعي، التي تصدر المشهد فيها باحثون عن الشهرة وعديمو البصيرة، مما أدى إلى تصدر “السفهاء” واحتلالهم مساحات النجومية المجتمعية، بالتزامن مع غياب الأوجه الصحفية الرصينة لأسباب أمنية وموضوعية واقتصادية شتى.
ومع عودة بعض مؤسسات الحكومة جزئياً إلى العاصمة الخرطوم، عادت إلى الواجهة أسماء صحفية قديمة، استهلّت ظهورها بلقاء رسمي مع رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لتنطلق بعدها في موجة جديدة من التضليل وتزييف الحقائق، متحررةً من أبسط قواعد المهنية والأخلاق الصحفية، لدرجة تكرار الأكاذيب بلا أدنى شعور بالحرج أو الحاجة لتقديم اعتذار للجمهور.
يبرز هنا مثال صارخ يجسد هذا الانحدار في أداء بعض المحسوبين على مهنة الصحافة، مثل الكاتب مزمل أبو القاسم. فقد عُرف بسرعة إطلاق الشائعات وتلفيق الأخبار الكبرى، مثل ترويجه في بداية الحرب لخبر مقتل قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي).
واليوم يتساءل المتابعون بابتسامة مريرة:
إذا كان حميدتي قد مات بروايته القديمة، فلماذا لم يكلف نفسه عناء الاعتذار لقرائه عن صحة ذلك الخبر المضلل؟
وكيف عاد ليُنشر مجدداً قبل أيام خبر تعرض حميدتي لقصف جوي أودى بحياة بعض المقربين منه؟
وها هو خطاب حميدتي الأخير يظهر للعلن ليُسقط تلك الأكاذيب صاغرة، فأين الشجاعة الأدبية للاعتذار عن سِجل طويل من تضليل الرأي العام؟
إن الأزمة الجوهرية تكمن في استيراد عقلية «الصحافة الرياضية الصفراء» – التي اشتهرت بها منابر مثل صحيفة «الصدي» – ونقلها بفظاظة إلى ميدان السياسة المصيري. فبينما تُقبل السطحية وصناعة الإثارة الخيالية في الميادين الرياضية كنوع من التسلية وضياع الوقت، فإن تداول الأكاذيب في قضايا الأوطان وحروبها يكلف الشعوب دماءً واستقراراً.
وحين تفقد الصحافة بوصلتها الأخلاقية، فإنها تسقط من مرتبة «السلطة الرابعة» لتغدو مجرد أداة لتلقين التضليل، وكأنها تخدم «سلطة إشعار أخضر» وهمية لا ترقب في عقول المواطنين إلاً ولا ذمة.











