إقتصادتقارير

ديب ميتالز : أرض أُخليت بالكامل.. من ينتظر ذهب السودان؟

ديب ميتالز : أرض أُخليت بالكامل.. من ينتظر ذهب السودان؟

 

• سر ديب ميتالز: كيف يتقاطع المال والسلاح والنفوذ؟

• هل تقع منطقة حنجلية التي قصفها الطيران المصري داخل مربع كان مطلوباً أو ممنوحاً لـديب ميتالز؟

• توقيت وفاة رجل الأعمال عمر النمير يفرض أسئلة قانونية عاجلة : ما مصير حصته المعلنة، ومن ورثها أو آلت إليه، وهل سجل ذلك رسمياً؟ ومن سيحل محله في مجلس الإدارة؟

الحلقة الأخيرة

السلطة نت – تقرير

في قطاع الذهب، حيث تتجاور الثروة مع النفوذ والسلاح، ظهر اسم شركة «ديب ميتالز للتعدين» في سبتمبر 2025 مرفقاً برقم ضخم هو 277.3 مليون دولار. مرّ عام على ذلك الإعلان، وتغيرت خلاله وقائع كثيرة، وبقيت الأسئلة الأولى معلقة بلا جواب.

ويفرض نفسه اليوم سؤال أعمق من سؤال ماذا حدث، وهو لمن تعمل هذه الشركة؟ ولماذا تتقاطع مصالحها مع دوائر النفوذ والسلاح في اللحظة التي تُطرد فيها أيدي المعدّنين الأهليين من الأرض؟ هل لقصف المعدّنين الأهليين صلة بإخلاء الأرض لمصلحة أصحاب نفوذ؟

لا يملك أحد اليوم وثيقة تجيب. وهذا السؤال فرضية تستند إلى ثلاثة خيوط تلتقي عنده. الخيط الأول هو التوقيت: غارات جوية شنها طيران الجيش المصري على معدّنين في يوم استقبال أوراق اعتماد سفير دولة مصر من قبل ما يسمى مجلس السيادة، ولجنة تقصٍّ تُعلن بعد يوم.

الخيط الثاني هو الجغرافيا: شمل إعلان سبتمبر 2025 الولاية الشمالية التي تقع فيها منطقة الغارات، وبقي التطابق على مستوى الموقع والمربع بحاجة إلى تحقق. هل تقع حنجلية داخل مربع كان مطلوباً أو ممنوحاً لـ«ديب ميتالز» أو لشركة مرتبطة بها؟

الخيط الثالث هو المستفيد: يربح من إخلاء الموقع من يحمل امتيازاً أو يستعد لحمله ومن يملك مصفاة ومنفذاً للتصدير، ويخسر المعدّن الذي قُتل أو هُجّر، وتخسر الدولة ذهباً كان بعضه يصلها عبر القنوات الأهلية.

ولاختبار هذه الخيوط، يمكن أن يكون الاختبار الأول مضاهاة إحداثيات الغارات المبلغ عنها بسجل المربعات والتراخيص في الشركة السودانية للموارد المعدنية وبطلبات الامتياز المقدمة منذ 2025، فإذا وقعت الغارات داخل مربعات مطلوبة أو ممنوحة قوي الافتراض، وإذا وقعت خارجها ضعف.

ويقارن الاختبار الثاني صور الأقمار الصناعية للمواقع قبل الغارات وبعدها، ليظهر هل عاد المعدّنون إلى العمل أم تحولت المواقع إلى مساحات مسيّجة تعمل فيها معدات ثقيلة. ويتتبع الاختبار الثالث من تقدم أو حصل على ترخيص في المنطقة خلال الأشهر التالية وأين جاء رأس ماله.

ذهب مصر

أعلنت «ديب ميتالز» في 9 يونيو 2026 توقيع اتفاقية للاستحواذ على 50% من أسهم «إبداع لمناجم الذهب» وهي شركة مصرية فازت بقطاع بحث واستكشاف مساحته 100 كيلومتر مربع ضمن المزايدة المصرية، بحسب «البورصة» و«الشروق» و«مصراوي».

وتحدث الجارحي، بصفته رئيساً لمجلس إدارة الشركة، عن تقدم مشروع مصفاة حديثة للذهب في القاهرة. وقال إن الشركة أكملت توقيع محضر ملزم واتفاقيات أولية مع إحدى الشركات العالمية الرائدة في تصميم وإنشاء وتشغيل مصافي الذهب، وإن المصفاة ستعمل وفق أحدث التقنيات وستسهم في «دعم مكانة القاهرة كمركز إقليمي لتجارة وتكرير الذهب».

اكتملت بذلك على الورق سلسلة تبدأ بالخام وتنتهي بالتكرير والتجارة، وتمتد بين السودان ومصر. وتعين الجيولوجيا هذه السلسلة، لأن الدرع العربي النوبي الذي يحمل ذهب الصحراء الشرقية المصرية يمتد جنوباً إلى شمال السودان وشرقه.

لكن الأهم من الجغرافيا هو الاقتصاد السياسي، إذ تعني هذه السلسلة أن ذهب السودان المستخرج في ظروف لا يمكن التحقق منها قد ينتهي مكرراً ومصبوباً في القاهرة، باسم شركة واحدة تربطها بأصحاب النفوذ في البلدين صلات معلنة وغير معلنة.

وأوردت تقارير أن المصفاة المصرية المزمعة «ستكون متخصصة في تنقية الذهب الخام، ورفع درجة نقاوته ليصل إلى المعايير الدولية للتداول والتصدير، وسيكون بإمكانها خدمة دول الجوار أيضاً».

الاقتصاد السياسي للذهب : من يموّل من؟

لا يمكن فهم قصة «ديب ميتالز» بمعزل عن السياق الأوسع لاقتصاد الذهب السوداني. فقد بلغت صادرات الذهب الرسمية 1.5 مليار دولار في سنة 2024 و2025، لكن القيمة الفعلية للقطاع «تبلغ أضعاف ذلك حسب التقديرات، حيث يجري تهريب ما قيمته مليارات الدولارات من الذهب إلى خارج السودان كل سنة عبر قنوات غير مشروعة، وذلك يساعد في تمويل شراء الأسلحة والعمليات العسكرية ودعم نشاط الجماعات المسلحة».

هذا ما أعلنته الحكومة البريطانية صراحة عندما فرضت عقوبات على شبكات تجارة الذهب غير المشروعة في السودان في يوليو 2026.

وقالت وزيرة الخارجية إيفيت كوبر إن «الشعب السوداني ما زال يدفع ثمن حرب يؤججها ليس فقط البنادق والمقاتلون، بل أيضاً التدفق غير المشروع للذهب والأموال التي تغذي خزنة الحرب على كلا الجانبين».

في هذا السياق، تصبح كل شركة تعمل في قطاع الذهب السوداني، سواء بشكل رسمي أو شبه رسمي، جزءاً من معادلة أوسع، فمن يملك الذهب يملك القدرة على تمويل الحرب، ومن يملك المصفاة يملك القدرة على تحويل الخام إلى عائدات قابلة للاستخدام.

ويقف في قلب هذه الشبكات أفراد وميسّرون يحوّلون الثروة إلى سلاح. وفي هذا الاقتصاد، قد تتحول الشركة التي تحمل امتيازاً رسمياً وتحصل على حماية رسمية إلى واجهة موازية لشبكات التهريب أو مكمّلة لها، إذ تستخرج «قانونياً» ما لا يستطيع غيرها استخراجه، وتبيع عبر قنوات تمنحها غطاءً رسمياً.

رحيل عمر النمير

في مساء الجمعة 4 سبتمبر 2026 أُعلن عن وفاة رجل الأعمال عمر عثمان النمير في العاصمة المصرية القاهرة. وتفاوتت التقارير في وصف الوفاة، فمنها ما تحدث عن علة طارئة، ومنها ما ذكر معاناة شديدة مع المرض وآمال عالقة بعودته من رحلة العلاج، ومنها ما أشار إلى وفاته بعد خضوعه لعملية جراحية. وجاء الرحيل بعد عام تقريباً من الإعلان الذي ربط اسمه بالشركة.

ولم تُنشر معلومات تشير إلى ظروف مريبة أحاطت بالوفاة، وتبقى الوفاة قدراً يستحق العزاء لأسرته ولمحبيه. لكن التوقيت يفرض أسئلة قانونية عاجلة، فما مصير حصته المعلنة في الشركة، ومن ورثها أو آلت إليه، وهل سُجل ذلك رسمياً؟ ومن سيحل محله في مجلس الإدارة؟ وهل تتغير هيكلة الملكية بما يمنح طرفاً بعينه سيطرة أكبر؟

ولأن الشاهد الذي كان قادراً على تفسير تأسيس الشركة ومصادر تمويلها وعلاقتها بدوائر النفوذ رحل، تحمل الوثائق عبء الإجابة وحدها. والوثائق، في السودان، نادراً ما تُفتح.

الصحراء التي يعمل فيها الناس

يقوم قطاع الذهب في السودان على جهد المعدّنين الأهليين، وتشير التقديرات المتداولة إلى أنهم ينتجون الجزء الأكبر منه.

يعمل هؤلاء بالحفر اليدوي وكاشفات المعادن وطواحين صغيرة، ويملكون مواقعهم بالحضور والعمل والأعراف، وليس بينهم من يحمل امتيازاً مسجلاً. ويصطدم نموذج الامتياز الكبير بهذا الواقع، فالشركة التي تحصل على مربع يضم مئات المعدّنين أمامها طريقان، إما التفاوض معهم ودفع تعويضاتهم، أو العثور على الأرض خالية.

أُفيد في 11 أكتوبر 2026 بغارات جوية على معدّنين أهليين في حنجلية بشمال الوادي، وهو اليوم الذي قدّم فيه السفير المصري الجديد أوراق اعتماده إلى قائد الانقلاب. وأصدر ما يسمى مجلس السيادة في 12 أكتوبر الجاري بياناً أعلن فيه لجنة لتقصي الحقائق، وهي صيغة يعرف السودانيون مصائرها من لجان سابقة لم تُعلن نتائجها.

يقع الموقع قرب خط عرض 22 شمالاً. حاولت روايات موالية للجيش وصف الضحايا بعابرين دخلوا حدود دولة مجاورة، مع أنهم مواطنون سودانيون يعملون على أرضهم.

وتحتاج أعداد الضحايا وأسماؤهم وإحداثيات المنجم المستهدف إلى حصر موثق من جهات مستقلة قبل نسبة أي رقم إلى هذه الغارة.

 

 

شارك هذا الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى