إقتصادتقارير

قفزة بـ 45.6% لعرض النقود بالسودان وسط شلل الإنتاج

قفزة بـ 45.6% لعرض النقود بالسودان وسط شلل الإنتاج

السلطة نت – متابعات

حذر الباحث والمحلل الاقتصادي السوداني أحمد بن عمر من استمرار الضغوط على الجنيه والأسعار في ظل تراجع الإنتاج والصادرات وشح النقد الأجنبي والتوسع في عرض النقود، داعياً إلى ضبط تمويل عجز الموازنة وإصلاح القطاع المصرفي وزيادة الصادرات وإعادة تشغيل الأنشطة الإنتاجية، معتبراً أن وقف الحرب وحده لن يكون كافياً لمعالجة الاختلالات الهيكلية للاقتصاد السوداني.

وقال بن عمر، في حوار نشره موقع الترا سودان في 25 أكتوبر، إن عرض النقود الواسع ارتفع من 25.303 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2025 إلى 36.834 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2026، بزيادة بلغت نحو 45.6% خلال ستة أشهر، وفق بيانات بنك السودان المركزي.

وأوضح أن زيادة السيولة في ظل انكماش الإنتاج قد تضغط على الأسعار وسعر الصرف، مشدداً على ضرورة التمييز بين التوسع في الائتمان والتمويل النقدي لعجز الموازنة، وبين الزيادات المحاسبية الناتجة عن إعادة تقييم الودائع بالعملات الأجنبية.

وأشار إلى أن تراجع معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، وإنما تباطؤ وتيرة ارتفاعها، وهو ما يفسر استمرار الضغوط المعيشية على الأسر رغم تحسن المؤشر.

وكشف أن الصادرات السلعية بلغت نحو 1.82 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل واردات بقيمة 4.52 مليارات دولار، بعجز تجاري يقارب 2.7 مليار دولار، لافتاً إلى أن اختلالات النقد الأجنبي تفاقمت منذ فقدان معظم الإيرادات النفطية عقب انفصال جنوب السودان عام 2011، ثم ازدادت بفعل الحرب.

وأوضح أن ارتفاع الدولار ينتقل سريعاً إلى أسعار السلع عبر الاستيراد والنقل ومدخلات الإنتاج، بينما يتأخر انخفاض الأسعار عند تراجع سعر الصرف بسبب تكلفة المخزون والتمويل وضعف المنافسة وتوقعات ارتفاع الدولار مجدداً.

ودعا إلى زيادة الصادرات، وتحسين عودة حصائلها وتحويلات المغتربين عبر المصارف، وتنظيم سوق النقد الأجنبي، وتحسين إدارة السيولة ومراقبة الائتمان المحلي والودائع ومكونات عرض النقود، مع توجيه التمويل إلى الأنشطة المنتجة.

وفي القطاع المصرفي، قال إن الودائع نمت بنحو 15.6% خلال الربع الثاني من عام 2026، لكنه شدد على أن إعادة فتح الفروع واستئناف التحويلات والمدفوعات لا تكفي لإثبات التعافي.

وطالب بتقييم خسائر الحرب والديون المتعثرة وجودة الأصول وكفاية رؤوس الأموال، تمهيداً لإعادة رسملة المصارف أو دمج المؤسسات غير القادرة على الاستمرار منفردة، مع حماية حقوق المودعين وتطوير الخدمات الرقمية وتوسيع التمويل الإنتاجي والتجاري.

وأشار إلى ضرورة فحص توزيع الودائع بين العملات المحلية والأجنبية، وتأثير إعادة التقييم، وعدد الحسابات النشطة وحجم المعاملات ونظم الدفع، عند قياس تعافي القطاع المصرفي.

وفي ملف الصادرات، أوضح أن الذهب استحوذ على نحو 62% من الصادرات السلعية خلال النصف الأول من عام 2026، داعياً إلى تنويع الصادرات وزيادة مساهمة السمسم والثروة الحيوانية عبر تحسين التمويل والتسويق والنقل والخدمات البيطرية والمحاجر وانتظام التعاقدات الخارجية.

واقترح توفير ترتيبات مجزية وموثوقة لمصدري الذهب لتشجيع عودة حصائل الصادرات عبر القنوات الرسمية، إلى جانب إنشاء محافظ تمويل متخصصة للمحاصيل والثروة الحيوانية وتوسيع التمويل الإنتاجي.

وانتقد بن عمر آلية بنك السودان المركزي لتمويل شركات استيراد الوقود، معتبراً أنها تعيد الدعم بصورة غير مباشرة عبر توفير النقد الأجنبي، وتحديداً الدرهم الإماراتي، للمستوردين.

وأوضح أن بيع العملة الأجنبية بسعر يقل عن تكلفتها السوقية يمثل دعماً ضمنياً، وأن الآلية قد تحد من ارتفاعات الأسعار المفاجئة لكنها تجعل استمرار الإمدادات مرتبطاً بقدرة البنك المركزي على توفير العملات الأجنبية.

واقترح تحرير استيراد الوقود وتمويله وتسعيره، مع الإبقاء على الرقابة على الجودة والمخزون والمنافسة، محذراً من احتمال ارتفاع الأسعار في البداية، وداعياً إلى إجراءات محددة وشفافة لحماية الزراعة ونقل الغذاء.

وأكد أن التحرير وحده لا يضمن انتظام الإمدادات دون قنوات دفع خارجية ومنافسة فعلية وبنية لوجستية مناسبة.

وربط ارتفاع تكاليف الوقود بتضرر منشآت إنتاج النفط ونقله وتكريره، وفي مقدمتها مصفاة الجيلي، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، إلى جانب تكاليف الشحن والتأمين والتمويل وتراجع الجنيه واضطرابات أسواق الطاقة العالمية.

وأوضح أن ارتفاع تكلفة الوقود ينتقل إلى الزراعة والتعدين والصناعة والنقل والحصاد وتوزيع السلع، مطالباً بتحسين إدارة المخزون والإمدادات، ومراجعة تكاليف الشحن والتوزيع، وتنويع مصادر الاستيراد وإعادة تأهيل منشآت الإنتاج والتكرير عندما تسمح الظروف.

وفي مقترح لإدارة السلع الاستراتيجية، دعا إلى إنشاء جهاز وطني متخصص في جمع البيانات وتحليلها والتخطيط للاحتياجات الأساسية، دون احتكار استيراد القمح أو الوقود.

وقال إن الجهاز المقترح سيتابع المخزون والاستهلاك والكميات المتعاقد عليها التي لم تصل، والأسعار العالمية وتكاليف الشحن والتمويل، بما يسمح بجدولة المشتريات وتجنب الاستيراد العاجل عند اقتراب نفاد المخزون.

واقترح كذلك تنظيم مزادات شفافة للنقد الأجنبي عبر المصارف لتمويل الواردات وفق أولويات محددة، دون خلق دعم ضمني جديد أو مزاحمة تمويل الإنتاج.

وفي ملف المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، دعا إلى توسيع التمويل الأصغر وإنشاء محافظ لإعادة تشغيل الأنشطة المتضررة من فقدان رأس المال والمعدات والنزوح وتعطل الأسواق، بمشاركة المصارف ومؤسسات التمويل والجهات الحكومية وصناديق التنمية، مع ضمانات وترتيبات لتقاسم المخاطر.

كما اقترح إنشاء جهاز قومي لتنمية هذه المشروعات يتولى حصرها وتصنيف احتياجاتها وتنسيق تمويلها وربطها بالأسواق، وطرح السعي للحصول على منحة تصل إلى عشرة ملايين دولار لتمويل إنشاء الجهاز، موضحاً أن المبلغ مقترح يحتاج إلى جهة مانحة، وليس تمويلاً متاحاً أو مضموناً.

وفي المالية العامة، حذر من زيادة الرسوم على المنشآت المتضررة والتجارة الأساسية، لما قد يسببه ذلك من تعطيل عودة النشاط الاقتصادي وتوسيع المعاملات خارج القنوات الرسمية.

ودعا إلى مراجعة الإعفاءات غير المبررة، وتطوير التحصيل الإلكتروني، والحد من تسرب الإيرادات وازدواج الرسوم، وتعزيز الرقابة على الإنفاق، مع إعطاء الأولوية لإعادة تشغيل المصانع والأسواق والمشروعات الزراعية وتأهيل الطرق والمعابر والكهرباء، باعتبارها وسائل لتوسيع الإيرادات عبر النشاط الاقتصادي بدلاً من زيادة الأعباء على المنتجين والمواطنين.

وبشأن النمو، أشار إلى تقديرات أولية لبنك السودان المركزي تفيد بانكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 12.7% عام 2024، قبل تسجيل نمو يقارب 1.7% عام 2025، موضحاً أن النمو من قاعدة منخفضة لا يعوض الخسائر المتراكمة أو يعيد مستويات الإنتاج والدخل السابقة.

وقال إن إعادة تشغيل المصانع والمنشآت تسهم في استعادة الوظائف وتنشيط النقل والطاقة والتجارة والخدمات، مشدداً على أن تحسن الناتج المحلي ينعكس على المواطنين عندما تتوسع فرص العمل والدخول وتتحسن القدرة الشرائية والخدمات الأساسية.

وفي ملف إعادة الإعمار، كشف أنه وضع في مارس 2025 تصوراً يبدأ بإعادة تشغيل الخدمات والإنتاج في الولايات التي استعادت الاستقرار، دون انتظار إعادة البناء الشامل.

واقترح إنشاء صناديق تمويل مشتركة مع الدول الصديقة، من بينها برنامج سعودي سوداني لإعادة الإعمار، مع ترتيب أولويات الولايات بحسب الوضع الأمني وحجم الأضرار وجاهزية المؤسسات، وإعطاء الأولوية للصحة والتعليم والمياه والكهرباء والطرق والأسواق.

كما طرح إنشاء مفوضية قومية لإعادة الإعمار تتبع لمجلس السيادة، وتتمتع باستقلال فني وإداري ومالي وتخضع للمساءلة، ويشارك في قيادة عملها شباب متخصصون وخبرات سودانية من الداخل والخارج.

وأوضح أن المفوضية ستتولى تنسيق برامج الإعمار ومتابعتها وتقييم نتائجها ومنع ازدواج الإنفاق، بينما تحتفظ الوزارات والولايات باختصاصاتها الفنية، على أن تشمل البرامج إعادة تشغيل القطاع الخاص والمصانع والمشروعات الصغيرة والمتوسطة واستعادة الوظائف والدخول والقدرة الإنتاجية.

وأكد بن عمر إمكانية تنفيذ إصلاحات اقتصادية خلال الحرب، تشمل إدارة النقد الأجنبي والسلع الاستراتيجية، وخفض تكاليف التجارة والنقل، وتوسيع الخدمات المصرفية والرقمنة، وإعادة هيكلة المصارف وتمويل الزراعة والمشروعات الصغيرة ومراجعة دور الدولة فيح تمويل استيراد الوقود.

واعتبر أن إعادة بناء القاعدة الإنتاجية والبنية التحتية ومعالجة الاختلالات المزمنة في المالية العامة وميزان المدفوعات تتطلب استقراراً أمنياً ومؤسسياً وقدرة أكبر على جذب الاستثمار والتمويل، مشدداً على أن وقف القتال سيخفف الضغوط الاستثنائية لكنه لن يعالج تلقائياً ضعف الصادرات وشح النقد الأجنبي ومحدودية الإنتاج.

 

 

 

شارك هذا الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى