د.أسامة أحمد يكتب : السلاح الكيميائي مأزق سلطة بورتسودان

د.أسامة أحمد مصطفى مدير عام وكالة السودان الجديد للانباء السلاح الكيميائي مأزق سلطة بورتسودان
السلطة نت – متابعات
تمثل الاتهامات المتعلقة باستخدام أسـ .ــلـحـة كـ .ــيـمـيـائـيـة ضد المدنيين واحدة من أخطر القضايا التي يمكن أن تواجه أي حكومة أو مؤسسة عسكرية، كما هو الحال مع ما تواجهه حكومة بورتسودان من اتهامات أُثيرت مؤخرًا.
فمجرد تداول مثل هذه الاتهامات يضع الدولة أمام امتحان عسير في مجالات الشفافية والمساءلة، لأن خطورتها لا تكمن في طبيعة السـ .ــلاح وحدها، بل في ما تحمله من دلالات تمس جوهر العلاقة بين السلطة والمجتمع. وإذا أثبتت تحقيقات دولية مستقلة وموثوقة صحة تلك الادعاءات، فإن القضية لن تكون مجرد مخالفة لقواعد الـ .ــحـرب، بل أزمة سياسية وأخلاقية وقانونية قد تترتب عليها مسؤوليات ومساءلات وفق أحكام القانون الدولي.
ليست الدولة بما تمتلكه من ترسانات عسكرية، ولا بما ترفعه من شعارات، ولا بما تشيده من مؤسسات. فالدولة، في معناها العميق، هي عقد أخلاقي يمنح السلطة مشروعيتها مقابل حماية الإنسان، وصون حياته، والحفاظ على كرامته. وحين تصبح أدوات القوة موضع اتهام بإلحاق الضرر بالمدنيين، فإن السؤال لا يعود متعلقًا فقط بنتائج المـ .ــعارك، وإنما بمستقبل الدولة نفسها، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بثقة مواطنيها.
لقد وضعت الـ .ــحـرب السودانية البلاد أمام اختبار غير مسبوق منذ قيام الدولة الحديثة؛ اختبار لا يتعلق فقط بمن يسيطر على المدن أو يكسب الجبهات العسكرية، بل بمن يحافظ على المعنى الأخلاقي للدولة نفسها. فالحروب تنتهي مهما امتدت، لكن انهيار الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم قد يستغرق أجيالًا حتى يلتئم، لأن الشعوب تتذكر دائمًا كيف تعاملت معها دولها في أكثر اللحظات قسوة.
ويظل السـ .ــلاح الكـ .ــيـمـيـائـي، بما يحمله من حظر دولي وإدانة أخلاقية، أحد أكثر الأسلحة إثارة للقلق في النزاعات المسلحة. فالمجتمع الدولي لم يحظره بسبب قدرته التدميرية فحسب، وإنما لأنه يتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها حماية المدنيين، والتمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، وتقليل المعاناة الإنسانية أثناء النزاعات. ولذلك فإن أي ادعاءات باستخدامه تستوجب تحقيقًا مهنيًا ومستقلًا وشفافًا، لأن الحقيقة في مثل هذه القضايا ليست مطلبًا سياسيًا، بل حق للضحايا وضرورة لإقامة العدالة.
وتواجه حكومة بورتسودان، في ظل هذه الاتهامات، تحديًا يتجاوز إدارة الـ .ــحـرب إلى إدارة الثقة. فالرأي العام المحلي، كما المجتمع الدولي، لا يكتفي بالنفي أو الاتهامات المتبادلة، بل ينتظر إجراءات تعزز الشفافية، وتسمح بالتحقيق المستقل، وتؤكد أن حماية المدنيين تظل التزامًا لا يسقط حتى في أوقات النزاعات. فالدول تُقاس أيضًا بقدرتها على إخضاع مؤسساتها للمساءلة عندما تُثار ادعاءات بهذا المستوى من الخطورة.
وفي المقابل، يقف المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقية منظومته القانونية. فإذا كانت قواعد القانون الدولي الإنساني قد وُضعت لحماية الإنسان، فإن قيمتها الحقيقية تظهر في تطبيقها على جميع الأطراف دون انتقائية أو ازدواجية.
فالعدالة التي تخضع للاعتبارات السياسية تفقد قدرتها على الردع، بينما يسهم التحقيق المستقل والمساءلة العادلة في حماية القانون وتعزيز الثقة به.
إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إعادة رسم خرائط السيطرة، بقدر حاجته إلى إعادة بناء فكرة الدولة الجديدة؛ دولة لا تقوم على الغلبة، بل على الحماية، ولا تستمد شرعيتها من امتلاك القوة وحده، بل من الطريقة التي تُمارس بها تلك القوة في إطار القانون واحترام كرامة الإنسان.
ولهذا فإن أي أزمة تتعلق بحماية المدنيين تتجاوز آثارها اللحظة الراهنة لتؤثر في مستقبل الاستقرار والمصالحة وإعادة بناء المؤسسات.
وفي نهاية المطاف، سيظل مستقبل السودان الجديد مرهونًا بقدرته على ترسيخ سيادة القانون، وكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وجعل حماية الإنسان محورًا أساسيًا في مشروع بناء الدولة. فالتاريخ لا يحفظ الدول لأنها انتصرت في الـ .ــحـروب فقط، بل لأنه يقيسها بمدى وفائها لواجبها الأول : حماية الإنسان.
وعندما تصبح الحقيقة والمساءلة أساسًا للخروج من الأزمات، يصبح بناء السلام أكثر رسوخًا، وتصبح الدولة أقرب إلى استعادة مشروعيتها وثقة مواطنيها.











