تقارير

​من أين بدأت الرحلة ؟ خيوط جديدة تتكشف حول شحنة الكلور العسكرية في السودان

​من أين بدأت الرحلة ؟ خيوط جديدة تتكشف حول شحنة الكلور العسكرية في السودان – تقرير

السلطة نت – متابعات

نشرت منصة “صحيح السودان” في السابع عشر من أغسطس 2026 تحقيقاً بدأ من نقطة بدت غامضة في ملف الأسلحة الكيميائية بالسودان: من أين حصل الجيش على المواد التي استخدمها في تطوير ذخائره الكيميائية؟

​قبل ظهور الوثائق الدولية الأخيرة، قاد خيط التحقيق إلى مصر. فقد تحدث مصدر أمني سوداني سابق إلى المنصة عن شحنة مواد كيميائية دخلت السودان في سبتمبر 2024 عبر الأراضي المصرية، موضحاً أن الرحلة بدأت من القاهرة، واتجهت إلى أسوان، ثم عبرت بحيرة النوبة وصولاً إلى وادي حلفا.

​تضمنت الرواية معلومات عن شخصيات عسكرية وأمنية سودانية شاركت في تنسيق العملية، إلى جانب واقعة مرض جماعي شهدتها مناطق في أسوان والنوبة خلال الفترة نفسها، ورواية محلية عن قارب يحمل مواد كيميائية تعرض للغرق في بحيرة النوبة، ليكون ذلك أول خيط يقود إلى الطريق المصري.

​وثائق المخابرات السرية: شبكة إنتاج عسكرية

​بعد أقل من ثلاثة أسابيع، وضعت وثائق دولية هذا الخيط داخل صورة أكبر تكشف عن برنامج عسكري سوداني لتطوير وتصنيع ذخائر تعتمد على الكلور.

​في الخامس من سبتمبر 2026، كشفت “نيويورك تايمز” عن ملف استخباراتي سري يضم نحو 150 وثيقة وصورة وفيديو ورسالة صوتية، إضافة إلى آلاف الرسائل النصية المنسوبة لضباط سودانيين. تكشف المواد عن برنامج سري داخل الجيش لتطوير قنابل تعتمد على الكلور خلال عام 2024.

​بدأت التجارب في يوليو 2024، وفي الثاني والعشرين منه، اختُبرت ذخيرة تحتوي على الكلور في منطقة صحراوية. وأبلغ المشارعون عن نجاح الاختبار وإطلاق الغاز.

ثم جاءت المعلومة الأهم للتحقيق: في أواخر أغسطس، أبلغ الضابط المرتبط بالمشروع عن وصول 20 أسطوانة كلور مستوردة من مصر، بكمية تكفي لصناعة نحو 1,100 قنبلة، ليتطور البرنامج لاحقاً ويصل إلى تخزين مئات الذخائر. وبذلك تحولت القضية من مجرد استخدام لمادة كيميائية إلى بنية إنتاج عسكرية متكاملة تشمل التوريد والتجارب والتصنيع والتخزين.

​نقطة الالتقاء مع تحقيق “صحيح السودان”

​في اليوم نفسه، نشرت “واشنطن بوست” تحقيقاً استند إلى مجموعة أخرى من الوثائق والرسائل والفيديوهات التي فحصها خبراء أسلحة كيميائية ومسؤولون استخباراتيون غربيون.

​تكشف وثائق “واشنطن بوست” عن وصول 20 خزاناً كبيراً عبر معبر حدودي مع مصر، بقدرة إنتاج تصل إلى نحو 1,100 قنبلة أيضاً. وهنا يلتقي التحقيق الدولي مع خيط “صحيح السودان”؛ فالأول تحدث عن شحنة عسكرية دخلت السودان عبر طريق القاهرة – أسوان – بحيرة النوبة – وادي حلفا، بينما تحدثت الوثائق عن 20 خزاناً كبيراً عبر معبر حدودي مصري بالكمية والقدرة الإنتاجية ذاتها.

​العناصر المشتركة واضحة وحاسمة: مصر، الكلور، التوقيت المتقارب، الشحنة الكبيرة، والوجهة المرتبطة ببرنامج عسكري لتصنيع الذخائر الكيميائية. هذا التقاطع يعيد رواية “صحيح السودان” المستندة إلى شهادة المصدر الأمني إلى قلب المشهد، مانحاً إياها مصداقية استثنائية أمام الوثائق الدولية المستقلة.

​من الكلور المدني إلى السلاح القاتل

​الكلور في أصله مادة مدنية شائعة لتطهير مياه الشرب ومكافحة البكتيريا، وقد وصلت كميات منه خلال الحرب إلى منشآت المياه في الخرطوم عبر قنوات إغاثية وإنسانية (مثل برامج اليونيسف). لكن الوثائق كشفت أن الكلور دخل أيضاً في سلسلة توريد عسكرية مختلفة.

​تشير رسالة صوتية منسوبة لضابط سوداني إلى وجود أسطوانات كلور في محطة المنارة لمعالجة المياه في أم درمان والحصول على بعضها منها، بينما تتحدث الوثائق الدولية عن شحنة الـ 20 وحدة الكبيرة الواردة من مصر في أغسطس 2024 عبر معبر حدودي. هكذا تظهر قناتان لوصول المادة الخام: الأولى مدنية إنسانية، والثانية عسكرية مرتبطة بمصر.

​ولا تكشف المعطيات المنشورة حتى الآن الجهة الباعثة أو الشركة الناقلة أو الجهة السودانية المستلمة للشحنة المصرية، لكن وجودها في توقيت عمل البرنامج العسكري يجعل تتبع مسارها أمراً بالغ الأهمية.

فبعد وصول المادة، انتقلت العملية إلى التصنيع، والاختبار في الصحراء، وتسرب الغاز، وتخزين المئات من الذخائر (تشير “واشنطن بوست” إلى مخزون بلغ نحو 290 ذخيرة واستخدام 106 قنابل).

​طريق الكلور المصري ومستقبل التحقيق

​عندما نشرت “صحيح السودان” تحقيقها في أغسطس، ظهرت مصر في رواية المصدر الأمني كطريق لعبور المواد الكيميائية. واليوم، تؤكد “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” هذه المعطيات عبر 20 أسطوانة أو خزاناً كبيراً قادماً من الحدود المصرية بالقدرة الإنتاجية ذاتها.

​إن هذا التطابق المذهل يرفع قيمة كافة المعطيات الأخرى التي أوردها التحقيق الأول حول مسار الشحنة، والأسماء والجهات المرتبطة بها، والظروف المحيطة.

فحين تتطابق تفاصيل محورية بهذا القدر من الدقة مع وثائق استخباراتية غربية، تصبح بقية التفاصيل خيوطاً أساسية لا بد من فحصها وتتبعها للوصول إلى الصورة الكاملة: من أين خرجت الشحنة؟ من تولى نقلها؟ عبر أي معبر دخلت السودان؟ ومن كانت الجهة المستلمة التي حولت مادة الحياة إلى أداة للموت؟

 

 

شارك هذا الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى