إقتصادتقارير

لغز النفط المفقود في السودان: أين ذهبت عائدات المليار ونصف؟

لغز البترول المفقود في السودان : أين ذهبت عائدات المليار ونصف؟ – تقرير

السلطة – ​متابعات

​وكشفت تقارير التجارة الخارجية الصادرة عن بنك السودان المركزي بعد اندلاع الحرب عبر ثلاثة تقارير متتالية عن تسجيل “صفر” في خانة صادرات البترول الخام.

ويأتي هذا التغيير المثير للاستغراب في الوقت الذي تواصل فيه خطوط الأنابيب نقل النفط من حقول هجليج وغيرها، مما يطرح تساؤلاً ملحاً حول مصير خام ثلاث سنوات من الحرب.

​ومع توقف مصفاة الجيلي عن التكرير منذ يوليو 2023، وغياب خزانات استراتيجية قادرة على استيعاب إنتاج ما قبل الحرب، يتأكد أن النفط الخام يتدفق ويُصدَّر بانتظام عبر ميناء بشائر. وهي معلومة يستحيل أن تغيب عن حسابات بنك السودان المركزي، أو وزارتي المالية والنفط.

​وباعتماد تقدير متحفظ يستند إلى متوسط إنتاج افتراضي يبلغ 20 ألف برميل يومياً وسعر برنت مطروحاً منه 4 دولارات، تُقدر العائدات المتوقعة بنحو 564 مليون دولار في عام 2024، و474 مليون دولار في عام 2025، و318 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026.

ويصل إجمالي قيمة الصادرات المفترضة خلال هذه الفترة إلى نحو 1.36 مليار دولار، لتشكل نحو 18% من إجمالي الصادرات المسجلة وتحتل المرتبة الثانية بعد الذهب.

وفي بلد يعاني شحاً حاداً في العملة الأجنبية ويضطر لاستيراد كامل احتياجاته من الوقود، تتصاعد الأسئلة بحدة : أين ذهب إنتاج ثلاث سنوات من النفط الخام؟

ومن يتولى بيعه وبأي سعر؟ والأهم من ذلك، أين تُودَع حصيلة هذه الصادرات؟ هل تمر بالمسار الرسمي للبنك المركزي أم تدار عبر حسابات خارج الموازنة؟ ولماذا آثر البنك تسجيل “صفر” في تقارير رسمية متكررة؟

​الخام لا يزال في الأنابيب

​يبرز استمرار ضخ البترول عبر خطوط الأنابيب جلياً في إعلان دولة جنوب السودان في أبريل 2026 عن اتفاق جديد لضمان استقرار تدفق نفط الحقول الجنوبية نحو موانئ التصدير العالمية في ميناء بشائر ببورتسودان، وهو ما يؤكد ضمنياً جاهزية البنية التحتية ومرور النفط عبر الأراضي السودانية.

​وتزامن الإعلان مع تنسيق أمني وفني مكثف بين وزارتي النفط في الخرطوم جوبا لحماية المنشآت الحيوية، سيما عقب التحديات التي واجهت محطات المعالجة في هجليج والجبلين.

وأكدت السلطات في ميناء بشائر استعدادها الكامل لاستقبال الشحنات ومعالجتها وفق المعايير الفنية، مع توفير الحماية لخطوط الأنابيب الممتدة عبر مناطق النزاع.

​وعلى الصعيد التاريخي، فقدت الحكومة السودانية نحو 75% من إنتاجها النفطي لصالح دولة جنوب السودان بعد انفصالها في عام 2011، واعتمدت على رسوم عبور النفط الجنوبي وفق اتفاقية عام 2012 التي حددت الرسوم بـ 13 دولاراً للبرميل حتى انتهائها في مارس 2022. وفي مايو من العام نفسه، انطلقت مفاوضات لرفع الرسوم إلى 25 دولاراً للبرميل.

​وبعد توقف سابق، استأنفت دولة جنوب السودان تصدير نفطها في يناير 2025 إثر تسوية مالية مع الخرطوم.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة السودانية كانت قد وقعت في فبراير 2024 اتفاقاً قرضاً مع شركة إماراتية بقيمة 13 مليار دولار بضمان النفط، قبل أن تصدر وزارة الطاقة والبترول في سلطة الأمر الواقع ببورتسودان قراراً بإغلاق طارئ لمنشآت هجليج في 30 أغسطس 2025 إثر هجوم بمسيّرة نُسب لقوات الدعم السريع.

​خطأ إحصائي أم قرار مقصود؟

​تعزز بيانات المنصات الدولية هذه التساؤلات؛ إذ تشير منصة “ورلدوميتر” (المصنفة ضمن المراجع المعتمدة لجمعية المكتبات الأمريكية) إلى أن إنتاج السودان النفطي في عام 2024 بلغ نحو 39 ألف برميل يومياً، مقابل استهلاك محلي يبلغ نحو 86 ألف برميل يومياً، بعجز يومي يقدر بنحو 46 ألف برميل.

​وعلى الصعيد المؤسسي، تؤكد منهجية الأمم المتحدة لإحصاءات التجارة (IMTS 2010) ودليل ميزان المدفوعات الصادر عن صندوق النقد الدولي، ضرورة تسجيل كل السلع المُصدَّرة بقيمتها السوقية الفعلية، فضلاً عن إلزام المبادئ الأساسية للإحصاءات الرسمية بالنزاهة والشفافية.

​ومن هذا المنطلق، فإن إدراج “صفر” في خانة صادرات النفط ضمن موجز التجارة الخارجية لعام 2024، والعرض الاقتصادي والمالي لسنة 2025، وموجز النصف الأول من 2026، يشير إلى تعمد واضح. فالأخطاء الإحصائية الفردية واردة، لكنها تُصحَّح عادة في التقارير اللاحقة أو تُرفق بتوضيح هامشي.

أما التكرار المنتظم لصفر العائدات النفطية على مدار ثلاثين شهراً في وقت تُحدَّث فيه أرقام الذهب والسمسم والماشية بانتظام شهري، فيوحي بأن غياب هذه الأرقام يعكس توجهاً إدارياً مقصوداً من سلطة الأمر الواقع.

 

 

 

شارك هذا الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى