أبرياء تحت قصف المسيرات.. من يحمي المدنيين في حرب السودان؟ تقرير

أبرياء تحت قصف المسيّرات.. من يحمي المدنيين في حرب السودان ؟ تقرير
السلطة نت – متابعات
كان بعضهم ينتظر وسيلة نقل للعودة إلى قريته، وكان آخرون يحتمون بمنازل نزحوا إليها هرباً من القتال، بينما كان أطفال في أحيائهم السكنية يمضون أيامهم بعيداً عن جبهات الحرب.
لكن، المسيّرات وصلت إلى هؤلاء جميعاً. من الخرطوم إلى كردفان ودارفور والنيل الأزرق، اتسعت رقعة الهجمات بالطائرات المسيّرة في السودان، بينما تتزايد حصيلة المدنيين الذين يسقطون في الأحياء السكنية والأسواق ومواقف المواصلات ومراكز إيواء النازحين.
وفي أحدث هذه الهجمات، سقط أطفال في العاصمة، وقُتل عشرات المواطنين في غرب كردفان، في مشهد يعكس اتساع دائرة المخاطر التي تواجه السكان مع تصاعد الاعتماد على المسيّرات في الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
المسيّرات تحصد أرواح المدنيين
في 19 أكتوبر، أفادت تقارير محلية بمقتل ثلاثة أطفال في هجوم بطائرة مسيّرة في حي بري شرقي الخرطوم، ونسبت تقارير صحفية الهجوم إلى قوات الدعم السريع.
وفي غرب كردفان، قُتل نحو 80 شخصاً في هجوم بمسيّرة استهدف تجمعاً للمسافرين في منطقة الدبب مساء 18 أكتوبر، وفق شهادات محلية ومصدر طبي نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
وكان الضحايا يستعدون للعودة إلى قراهم بعد يوم السوق، بحسب التقارير. واتهمت إدارة “تأسيس” المرتبطة بقوات الدعم السريع الجيش بتنفيذ الهجوم.
وفي سوق النعام الحدودي بغرب كردفان، تحدثت تقارير محلية عن سقوط قتلى وجرحى بالعشرات. ولم تتضح الحصيلة النهائية، في ظل ورود تقارير عن هجمات متعددة بالمنطقة خلال يومي 18 و19 أكتوبر.
وفي 17 أكتوبر، قُتل أربعة مدنيين وأُصيب آخرون إثر استهداف سيارة قرب منطقة أنكوش بغرب كردفان، وفق مرصد كردفان، الذي نسب الهجوم إلى الجيش. وكانت السيارة تقل أشخاصاً في طريقهم للحصول على العلاج أو شراء احتياجاتهم الأساسية.
وفي اليوم نفسه، أُبلغ عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل في هجوم بمسيّرة على منطقة بير سليبة بولاية غرب دارفور، بينهم نساء، وفق مصادر محلية. فيما أشارت تقارير إلى أن بعض الضحايا من النازحين الذين لجأوا إلى المنطقة بحثاً عن العمل والأمان.
وفي 9 أكتوبر، قُتل 12 مدنياً وأُصيب ثمانية آخرون في هجوم استهدف مبنى يؤوي نازحين بمدينة النهود في غرب كردفان، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).
وفي غبيش بالولاية نفسها، قُتل خمسة مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال، في هجوم على حي سكني. وأعرب المكتب الأممي عن قلقه إزاء سقوط الضحايا، الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم بسبب الحرب.
وفي إقليم النيل الأزرق، أُبلغ في 9 أكتوبر عن مقتل 30 مدنياً في هجوم بمسيّرة على منطقة أبو شندي بمحلية ود الماحي. واتهمت السلطات المحلية قوات الدعم السريع بتنفيذ الهجوم.
وتعكس هذه الحوادث اتساع دائرة الخطر الذي يواجه المدنيين في السودان، من الأسواق ومواقف المواصلات إلى الأحياء السكنية ومواقع إيواء النازحين. وبينما تتفاوت حصائل الضحايا وتظل مسؤولية بعض الهجمات محل اتهام، تبرز الحاجة إلى تحقيقات مستقلة تحدد الجهات المنفذة وتضمن حماية المدنيين.
تصاعد الهجمات واتهامات متبادلة
تُظهر هذه الحوادث أن الهجمات بالمسيّرات لم تعد مقتصرة على المواقع العسكرية وخطوط الاشتباك، فقد باتت تطال تجمعات مدنية وأحياء سكنية وطرقاً يعتمد عليها السكان للوصول إلى الأسواق والمستشفيات ومناطقهم الأصلية.
وتشير تقارير منشورة إلى أن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يستخدمان المسيّرات في عملياتهما، مع تبادل الاتهامات بشأن استهداف المدنيين. ففي حين نُسبت هجمات في غرب كردفان إلى الجيش، اتُهمت قوات الدعم السريع بتنفيذ هجمات أخرى في الخرطوم والنيل الأزرق ومناطق من دارفور.
ووسط هذه الاتهامات لا تتوافر حتى الآن أدلة مستقلة تحسم المسؤولية عن جميع الحوادث، ما يجعل التحقق من كل واقعة على حدة ضرورة أساسية.
لكن صعوبة تحديد الجهة المنفذة لا تغيّر حقيقة أن المدنيين هم من يتحملون الخسائر المباشرة. فالمواطن الذي ينتظر وسيلة نقل للعودة إلى قريته، والطفل الذي يوجد في حي سكني، والأسرة التي تبحث عن مأوى بعد النزوح، جميعهم يجدون أنفسهم في دائرة الخطر، حتى عندما لا تكون لهم أي صلة بالعمليات العسكرية.
وتكتسب هذه الهجمات خطورة إضافية في ظل تدهور الخدمات الصحية وصعوبة نقل المصابين من المناطق المتضررة، فضلاً عن انقطاع الاتصالات في بعض المناطق، وهو ما يعقّد عمليات الإنقاذ ويؤخر التحقق من أعداد الضحايا.
ضحايا الحرب رهائن الاستقطاب السياسي
إلى جانب الخسائر البشرية، تكشف ردود الفعل على هجمات المسيّرات عن عمق الاستقطاب الذي فرضته الحرب على المجتمع السوداني.
ففي بعض المساحات العامة، تتحول مآسي المدنيين إلى مادة للشماتة أو الاحتفاء، تبعاً للطرف الذي يُعتقد أنه نفذ الهجوم أو انتماء الضحايا إلى أحد معسكري الصراع.
هذه الانتقائية تضعف المطالبة بالتحقيق والمحاسبة، وتحوّل حقوق المدنيين إلى مواقف مشروطة بالولاء السياسي والعسكري.
فحماية المدنيين لا تتجزأ بحسب الموقف من الجيش أو قوات الدعم السريع، واستهدافهم محظور بموجب القانون الدولي الإنساني، الذي يلزم أطراف النزاع بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إيقاع الأذى بهم.
ومع استمرار الحرب، تبرز الحاجة إلى تحقيقات مستقلة تحدد المسؤولية عن الهجمات ومحاسبة المتورطين، بعيداً عن الدعاية العسكرية وتبرير الانتهاكات.
فخلف الأرقام والروايات المتضاربة عائلات فقدت أطفالها وأقاربها ومصادر رزقها، فيما يواجه الناجون واقعاً لا ينبغي أن تحدد فيه الانتماءات السياسية قيمة حياتهم.
حين يصبح موت المدنيين انتصاراً في حسابات أي طرف، تكون الحرب قد تجاوزت تدمير المدن إلى تقويض أبسط معاني التضامن الإنساني.
شارك هذا الموضوع











