
أزمة الخبز في السودان : عودة المطاحن تعني رغيفاً أصغر وخبزاً أغلى
السلطة نت – متابعات
كيف يمكن أن تعود مطاحن الدقيق إلى العمل، وتتوافر كميات أكبر من القمح، ثم يجد المواطن السوداني نفسه مضطراً لدفع المزيد مقابل خبز أقل؟
هذا التناقض يكشف جوهر أزمة الخبز في السودان. فالمشكلة لم تعد مجرد ارتفاع في الأسعار، بل أصبحت تهدد قدرة المخابز على مواصلة الإنتاج، وقدرة الأسر على شراء غذائها اليومي.
في بعض مخابز الخرطوم، أصبح ألف جنيه يشتري رغيفتين بدلاً من ثلاث. وحتى عندما لا يتغير السعر، يتراجع وزن الرغيفة، فتحتاج الأسرة إلى شراء كميات أكبر للحصول على الطعام نفسه.
المخبز يبيع اليوم ولا يملك تكلفة إنتاج الغد
في 19 أكتوبر، بلغ سعر جوال دقيق سيقا زنة 50 كيلوغراماً نحو 293 ألف جنيه، قبل أن يرتفع إلى 338.7 ألف جنيه في 22 أكتوبر، بعدما كان سعره 238 ألفاً قبل ذلك.
وخلال ثلاثة أيام فقط، أصبح المخبز الذي يشتري عشرة جوالات مطالباً بتوفير 457 ألف جنيه إضافية لإنتاج الكمية نفسها.
ولم تقتصر الزيادات على الدقيق. فقد ارتفعت أسعار الخميرة والزيوت والوقود والأجور، وقفز سعر جوال أكياس تعبئة الخبز من 40 ألفاً إلى 92 ألف جنيه.
وهنا تظهر المشكلة الأخطر، وهي تآكل رأس المال العامل للمخابز.
فالأموال التي يحصل عليها المخبز من بيع إنتاجه اليوم قد لا تكفي لشراء الكمية نفسها من الدقيق والمستلزمات غداً. ومع استنفاد المخزون القديم، يحتاج صاحبه إلى تمويل إضافي، أو يصبح مضطراً إلى رفع السعر أو تقليل وزن الرغيفة أو خفض الإنتاج.
وهذا يفسر لماذا قد تتأخر زيادة الأسعار في بعض المخابز، ثم تظهر عندما تضطر إلى شراء مستلزماتها بالتكلفة الجديدة.
لماذا لم تؤد عودة المطاحن إلى انخفاض الأسعار؟
خلال النصف الأول من 2026، ارتفعت واردات السودان من القمح بنسبة 115.3%، بينما تراجعت واردات الدقيق الجاهز بنسبة 80.3%.
وتشير هذه الأرقام إلى تحول نحو استيراد القمح وطحنه محلياً، بالتزامن مع استعادة نشاط عدد من المطاحن. وكانت الحكومة قد أعلنت في يوليو عودة الإنتاج في 18 مطحناً، بطاقة إنتاجية أعلنت أنها تصل إلى عشرة آلاف طن، دون تحديد الفترة الزمنية لهذه الطاقة في المعلومات الواردة بالتقرير.
لكن تشغيل المطاحن لا يلغي تكلفة استيراد القمح، ولا يحمي الصناعة من ارتفاع الدولار والوقود.
فقد بلغت فاتورة استيراد القمح والدقيق نحو 407 ملايين دولار خلال ستة أشهر، بزيادة 41.5%، وارتفع متوسط سعر طن القمح المستورد من نحو 245 إلى 299 دولاراً.
ومع تجاوز الدولار تسعة آلاف جنيه في السوق الموازي، أصبح المستورد يحتاج إلى جنيهات أكثر لشراء الكمية نفسها.
وتضاف إلى ذلك اضطرابات شحن الحبوب عبر البحر الأسود، وارتفاع أسعار القمح العالمية بنسبة 6.3% في سبتمبر، فضلاً عن تكلفة الوقود والنقل والطحن.
بمعنى أبسط، قد يتوافر الدقيق في الأسواق، لكنه يصل إلى المخبز بسعر أعلى. فالوفرة وحدها لا تعني انخفاض التكلفة.
لماذا لا يعتمد السودان على قمحه المحلي؟
لأن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك ضخمة.
تقديرات منظمة الأغذية والزراعة تشير إلى إنتاج نحو 433.5 ألف طن من القمح، مقابل احتياجات غذائية تتجاوز ثلاثة ملايين طن.
أي أن الإنتاج المحلي يغطي 14.4% فقط من الاحتياجات، بينما تبلغ الفجوة نحو 85.6%.
ولا تتوقف المشكلة عند ضعف الإنتاج. فارتفاع تكاليف الري والأسمدة والطاقة وانخفاض إنتاجية بعض المناطق قد يجعل القمح المحلي أعلى تكلفة من المستورد، كما تواجه بعض الأصناف تحديات تتعلق بجودة الخبز.
ولهذا فإن تقليل الاعتماد على الخارج يحتاج إلى زيادة الإنتاجية وتحسين الجودة وخفض تكلفة الزراعة وضمان تسويق المحصول، وليس مجرد التوسع في المساحات المزروعة.
حتى البدائل ليست بعيدة عن الغلاء
عندما يصبح الخبز مكلفاً، تتجه الأسر إلى الذرة والدخن لإعداد الكسرة والعصيدة.
لكن هذه الحبوب تتأثر أيضاً بتكاليف الزراعة والنقل والطحن. ورغم انخفاض أسعار بعض المحاصيل مع دخول الإنتاج الجديد، فإن الأسعار تختلف بين الولايات.
وقد تساعد القيود على تصدير الحبوب ونقلها في زيادة المعروض داخل مناطق الإنتاج، لكنها قد ترفع تكلفة وصولها إلى مناطق أخرى، كما أن انخفاض سعر البيع قد يضغط على دخل المزارع وقدرته على تمويل الموسم التالي.
وهكذا لا يعني انخفاض أسعار الذرة في سوق معين أن جميع الأسر تستطيع الحصول عليها بالسعر نفسه.
هل تكفي الإجراءات الحكومية؟
أعفت محلية الخرطوم المخابز من الرسوم الإدارية والخدمية حتى نهاية العام، واستمرت القيود على تصدير الذرة لحماية الإمدادات المحلية.
لكن هذه الإجراءات تعالج أجزاء من التكلفة، ولا تعالج وحدها المشكلة الأكبر المرتبطة بالدولار والوقود وتمويل الواردات.
فالسودان يحتاج إلى النقد الأجنبي لاستيراد القمح، ويحتاج إليه أيضاً لاستيراد الوقود الذي يشغل المطاحن والمولدات وينقل الدقيق.
وكلما ارتفعت فاتورة الاستيراد، زاد الطلب على الدولار. وإذا لم تتوافر موارد كافية لتغطية هذا الطلب، يتعرض الجنيه لضغوط إضافية، فتزداد تكلفة الاستيراد مرة أخرى.
إنها دائرة اقتصادية قد تستمر في دفع الأسعار إلى الأعلى.
والسؤال الآن ليس فقط متى يصل سعر الرغيفة إلى ألف جنيه، بل ماذا سيحدث لوزنها قبل ذلك؟
فوصول الرغيفة الواحدة إلى ألف جنيه احتمال قائم إذا استمرت الزيادات، وليس تسعيرة مقررة. وقد تسبق ذلك تخفيضات جديدة في الوزن أو عدد الأرغفة المباعة بالمبلغ نفسه.
والأخطر أن المخبز يحتاج إلى إيرادات أكبر حتى يواصل الإنتاج، بينما تواجه الأسر ارتفاعاً في نفقات الغذاء يفوق قدرة بعضها على مجاراة الأسعار.
وهنا تصل الأزمة إلى جوهرها.
إذا كان المخبز لا يستطيع إنتاج الرغيفة التالية بتكلفة الرغيفة الحالية، وكانت الأسرة لا تستطيع شراء ما يكفيها من الخبز، فإن استمرار الإنتاج وحده لن يحل المشكلة.
قد تعود المطاحن، وتتوافر شحنات القمح، وتمتلئ المخابز بالدقيق، لكن ذلك لا يضمن أن يصل الخبز إلى موائد السودانيين بالكميات التي يحتاجون إليها.
فالخطر الحقيقي ليس أن يصل سعر الرغيفة إلى ألف جنيه، بل أن تستمر تكلفة إنتاجها في الارتفاع، بينما تتراجع قدرة الأسر على شراء ما يكفيها منها .











