شركاء الانقلاب وصناع الخراب

شركاء الانقلاب وصناع الخراب
السلطة نت – متابعات
بقلم – عزت خيري
قال البرهان، غداة انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، إن ما فعله كان لتجنيب البلاد حربًا أهلية. وبعد خمسة أعوام، يقف السودانيون أمام وطنٍ مزّقته الحرب، وبيوتٍ أُخرج أهلها منها، وأرزاقٍ بدّدها القتال، ودولةٍ تتنازعها البنادق. وبين ذلك الوعد وهذا الخراب مسؤوليةٌ لا تمحوها الخطب، ولا تُسقطها محاولة إقناع الناس بأن من انتزع سلطتهم باسم حمايتهم هو وحده القادر على إنقاذهم.
في ذلك اليوم، تحالف المكوّن العسكري، بقيادتي الجيش والدعم السريع، على إقصاء المدنيين وقطع مسار الانتقال. وكان البرهان وحميدتي شريكين في هذا الفعل، مهما حاولت الحرب اللاحقة أن تمحو صورة الشراكة من الذاكرة.
ووجد تحالفهما في شبكات الحركة الإسلامية المتجذّرة داخل الدولة قاعدةً تنظيمية مساندة؛ التقت مصالحهم عند إزاحة السلطة المدنية، وإن اختلفت حساباتهم بشأن ما يأتي بعدها.
لم تكن الحركة الإسلامية وافدًا جديدًا على هذا التحالف. فقد ترك حكمها الطويل شبكاتٍ في الأجهزة والمؤسسات والاقتصاد، وأرسى نظامًا تتداخل فيه السلطة بالسلاح والمصلحة الخاصة بالمال العام. ومن هذا النظام خرج الدعم السريع نفسه.
وحين بدأت الثورة تفتح ملفات التمكين والفساد والمساءلة، صار الانتقال خطرًا على امتيازاتٍ جمعت بين قادة السلاح وشبكات الحكم القديم. منح الانقلاب هذه الشبكات فرصة استعادة النفوذ، ومنحت هي الحكم العسكري ما يحتاجه من خبرة التنظيم وأدوات الدولة.
ولم يكن الانتقال قبل الانقلاب مكتملًا أو معصومًا من الخطأ. كانت فيه اختلالاتٌ وتنازلاتٌ وتأخّرٌ في بناء المؤسسات، وكان نفوذ العسكريين أوسع مما تحتمله سلطة مدنية سليمة.
لكن وجود المدنيين أبقى مجالًا للصراع السياسي حول الإصلاح، وفتح طريقًا لتطوير الرقابة على السلاح والموارد. جاء الانقلاب فأغلق هذا الطريق، وحوّل تفوّق العسكريين داخل الشراكة إلى استئثارٍ بالقرار فوق الدولة والمجتمع.
هنا تقع نقطة التحوّل التي ينبغي ألّا تضيع وسط تفاصيل الحرب. فقد أبقى الانقلاب قوتين مسلحتين، لكلٍّ منهما قيادة وموارد وطموح سياسي، وأزاح الطرف المدني الذي كان يمكن أن تتطوّر عبره سلطة عامة تضبطهما.
اتفق الرجلان على انتزاع الحكم من المدنيين، ثم انكشف تنازعهما على القيادة والموارد وموقع كلٍّ منهما في الدولة. وما دام السلاح مستقلًا عن سلطة دستورية نافذة، فإن الخلاف على إصلاح المؤسسات يظل قابلًا للتحوّل إلى معركة على من يُخضع الآخر.
ولهذا فإن تحميل الدعوة إلى الإصلاح العسكري مسؤولية الحرب يقلب العلاقة بين السبب والنتيجة. المطالبة بجيش واحد وبخضوع السلاح للدولة كشفت تناقضًا كان قائمًا؛ لم تخلق تعدّد الجيوش ولا استقلال مواردها ولا طموح قادتها إلى الحكم.
مسؤولية تحويل ذلك التناقض إلى حرب تقع على من امتلكوا أدوات القتال واختاروا استخدامها، وعلى من أعانوهم على استمرارها. ولم تكن الحرب قدرًا لا يُردّ؛ كانت أمام أصحاب القرار خيارات، اختاروا منها ما انتهى بالبلاد إلى هذه الفاجعة.
وكان الانهيار الاقتصادي قد أخذ يتعمّق قبل أن تنفجر الحرب. عطّل الانقلاب مسار التعافي والانفتاح على التمويل الدولي، وأضعف الثقة في مؤسسات الحكم، ثم جاءت الحرب فدمّرت الإنتاج والخدمات ووسّعت اقتصاد النهب والجبايات.
وهكذا انتقل السودان من سلطة تعوق بناء الدولة إلى حرب تأكل ما بقي منها. وكلما ضعفت المؤسسات، اتسع اعتماد المتحاربين على الشبكات المسلحة والمموّلين الخارجيين، وازدادت مصالح القوى المستفيدة من استمرار القتال.
واليوم لم تعد الحرب محكومة بحسابات الرجلين وحدهما. تكاثرت التشكيلات المسلحة، وتداخلت المصالح المحلية والإقليمية، وصار لكل شريك في القتال حسابه في السلطة والموارد. لكن اتساع المأساة لا يُعفي من فتحوا أبوابها.
فالبرهان الذي استعان بتلك القوى لتثبيت موقعه لا يستطيع أن يجعل عجزه عن ضبطها حُجّةً جديدة لاستدامة حكمه. وحميدتي لا يمحو اشتراكه في هدم الانتقال بمجرد خصومته اللاحقة مع شريكه.
من هنا يأتي مطلب رحيل البرهان عن قيادة البلاد. لقد ربط سلطته بتحالفات تعوق قيام جيش مهني خاضع للدولة، وجعل استمرار موقعه حاضرًا في حسابات الحرب والسلام. ومصلحة الجيش في استعادة وحدته ومهنيته والخروج من الاستنزاف، بينما يربط بقاء البرهان مصيره ببقاء قوى تستمد نفوذها من الحرب ومن اختراق المؤسسة العسكرية. والجيش أوسع من قائده، وأرواح جنوده ليست وديعةً تُستهلك لحراسة مقامه السياسي.
ويقتضي المنطق نفسه رحيل حميدتي عن قيادة البلاد، وإنهاء مشروع الحكم بقوة الدعم السريع. فلا يستقيم رفض وصاية البرهان مع قبول وصاية قائدٍ آخر يحتفظ بجيشه وموارده المستقلة.
ولا تمنح خصومة الحركة الإسلامية صاحبها شهادةً بالديمقراطية، كما لا تمنح محاربة الدعم السريع البرهان تفويضًا بالحكم. حقوق السودانيين لا تُوزن بمصلحة أيٍّ من الرجلين، ولا تُسلَّم مكافأةً لمن يتفوّق في القتال.
أما عزل الحركة الإسلامية عن السلطة ومراكز النفوذ المسلح والمال العام، فهو شرطٌ يحول دون إعادة إنتاج المأساة بعد تبديل الوجوه. فإذا رحل القائدان وبقيت الشبكات التي سخّرت الدولة للتنظيم، استطاعت أن تجد واجهةً أخرى وتعيد بناء الوصاية ذاتها.
ويعني عزلها تفكيك تمكينها المالي والأمني والمؤسسي، وإنهاء تشكيلاتها المسلحة، ومحاسبة المتورطين في الجرائم أمام قضاء مستقل. فليس الدين ملكًا لتنظيم، ولا إيمان الناس سندًا لسلطانه، ولا استرداد الدولة من قبضته اعتداءً على عقيدة أحد.
هذه الشروط مترابطة: رحيل البرهان يقطع مع الوصاية العسكرية التي هدمت الانتقال، ورحيل حميدتي يغلق طريق تحويل القوة الموازية إلى حق في الحكم، وعزل الحركة الإسلامية يفكّك قاعدةً تنظيمية لإعادة التسلّط.
وهي شروط ضرورية لعكس اتجاه الانهيار، لكنها لا تُنشئ الدولة الصالحة بمجرد إعلانها. تكتمل قيمتها حين تقترن بسلطة مدنية قادرة، ومؤسسات رقابية، وعدالة تحفظ حقوق الضحايا، وإصلاح يعيد السلاح والمال العام إلى ولاية الدولة.
ويبدأ العمل بوقف القتل، وحماية المدنيين، وإيصال الإغاثة، ووقف نار مراقَب يحدّد التزامات القوى المسلحة ومسؤوليتها عن التنفيذ. هذه واجبات عاجلة لا تنتظر اكتمال التغيير السياسي.
ويجري التفاوض مع القيادات المتحاربة لإنهاء الحرب وترتيب خروج قواتها من حياة الناس، وصولًا إلى جيش وطني واحد تحت سلطة مدنية؛ ولا تتحوّل ضرورة التفاوض معها إلى إقرارٍ بحقها في حكم السودان بعد الحرب.
وعلينا نحن في القوى المدنية أن نحمل نصيبنا من الواجب: بناء اتفاق واسع على الحكم المدني والمواطنة المتساوية ووحدة البلاد والعدالة، وتقديم قيادة ممثّلة وبرنامج واضح لإعادة الإعمار ومعالجة التهميش. وأن نحوّل هذا الاتفاق إلى عمل سياسي سلمي منظم، يوسّع مشاركة السودانيين ويمنع احتكار مستقبلهم مرة أخرى. فرفض حكم الجنرالات يكتسب قوته حين يرى الناس أمامهم بديلًا يستطيعون المشاركة فيه ومساءلته.
لقد كان ٢٥ أكتوبر انقلابًا على حق السودانيين في أن تكون لهم دولة، ثم صار الطريق الذي تدفّقت عبره أسباب الخراب على حياتهم. ولن نعكس هذا الطريق بإعادة منح أصحابه سلطة الإشراف على الخروج منه. فمن أُوتمن على حماية البلاد ثم انتزع حكمها، وأضاع أمن أهلها، لا يستقيم أن يطالبهم بمزيدٍ من الصبر على بقائه.
ولذلك نقول للبرهان: #اختانا . ارحل عن قيادة البلاد، وليرحل حميدتي عن ادعاء الحق في حكمها، ولتُعزل الحركة الإسلامية عن أدوات إخضاعها. فقد دفع السودانيون من أرواحهم وأعمارهم ما يكفي، وحان أن يكون مستقبلهم أمانةً في أيديهم، لا رهينةً في أيدي من يتنازعون السلطان عليهم.
شارك هذا الموضوع











