مقالات

 الجيش والسلطة : هل يحمي صك البراءة سجل الإسلاميين؟

الجيش والسلطة : هل يحمي صك البراءة سجل الإسلاميين؟

السلطة نت – متابعات

بقلم – محمد الهادي

في 25 أكتوبر 2021، قرر البرهان أن السودان أكبر من أن يحكمه المدنيون، وأصغر من أن يستحق الديمقراطية. فاختطف السلطة، واعتقل رئيس الوزراء، وعلّق الانتقال، ثم وقف ليخبر السودانيين أنه يفعل ذلك من أجلهم. كانت تلك واحدة من أكبر عمليات الاحتيال السياسي في تاريخ السودان الحديث: أن يُذبح حلم الشعب باسم إنقاذ الدولة، ثم تُترك الدولة فريسة للبنادق.

كان الإسلاميون يدركون أن عودة الحكم المدني تعني تهديداً مباشراً لشبكة المصالح والنفوذ التي بنوها طوال ثلاثة عقود، ورسّخوها داخل أجهزة الدولة ومؤسساتها الأمنية والاقتصادية. لذلك رأوا في انقلاب 25 أكتوبر فرصة للانتقام من ثورة ديسمبر، وقطع الطريق أمام انتقال ديمقراطي قد يفتح ملفات فسادهم وانتهاكاتهم، ويضع مواقعهم داخل مؤسسات الدولة تحت طائلة المساءلة.

أما البرهان، فقد ظن أن بإمكانه استخدام الإسلاميين واستعادة سلطته، ثم الاحتفاظ لنفسه بحق تحديد من يحكم السودان وكيف يُحكم. لم يدرك، أو ربما تجاهل، أن تحطيم الانتقال المدني لا يزيل الصراع على السلطة، وإنما يحرره من القيود السياسية، ويعيد البلاد إلى قانون القوة: من يملك السلاح يقرر، ومن لا يملكه ينتظر ما يتفضل به المسلحون.

في ذلك اليوم، لم تسقط الوثيقة الدستورية فحسب. فقد سقطت فرصة تاريخية لبناء دولة تتقدم فيها السياسة على البندقية، وتخضع فيها المؤسسات العسكرية لسلطة مدنية، ويصبح فيها التداول السلمي للسلطة قاعدة لا منّة من جنرال. ومنذ تلك اللحظة، أخذ السودان يبتعد عن المدنية، ويقترب من هاوية الحرب.

كان انقلاب 25 أكتوبر 2021 الباب الذي عبرت منه البلاد إلى حرب أبريل 2023. فحين أُجهضت الثورة، وأُغلقت نوافذ الانتقال المدني، تُركت خلافات الجنرالات تتضخم في عتمة السلطة، بعيداً عن رقابة الشعب وإرادته.

أُجهضت فرص إصلاح المؤسسة العسكرية، وتعثر توحيد القوات وإخضاع السلاح لسلطة الدولة، فيما ظل الصراع على السلطة والثروة يتغذى على غياب الديمقراطية واستباحة مؤسسات البلاد.

وحين دوّت الرصاصة الأولى، لم تكن الحرب سوى الثمرة المُرّة لانقلاب فتح أبواب السياسة أمام البندقية، وقطع الطريق على الحل المدني، حتى وجدت البلاد نفسها في مواجهة حريق أشعلته صراعات السلطة، وصار السودانيون وقوده، والمدن رماده، والمستقبل رهين نيرانه.

وحين انفجر الصراع بين البرهان وحميدتي، اكتشف السودانيون أن الذين استولوا على السلطة باسم حماية البلاد لم يحموا البلاد من الحرب. لقد تحولت العاصمة إلى ساحة قتال، وتبدلت البيوت إلى ملاجئ، والمدارس إلى مراكز إيواء، والمستشفيات إلى أهداف أو مبانٍ خالية من الأدوية. وتوزع شعب كامل بين النزوح واللجوء والجوع، بينما استمر الجنرالات في مخاطبة الناس بلغة الانتصارات والكرامة والسيادة.

أي كرامة تلك التي لا يستطيع صاحبها العودة إلى منزله؟ وأي سيادة تلك التي يعجز أصحابها عن حماية المدنيين؟ وأي وطنية تسمح بتحويل حياة السودانيين إلى وقود لحرب يتنافس أطرافها على السلطة، ثم تطالب الضحايا بالصبر حتى إشعار آخر؟

والمفارقة أن الانقلاب الذي قُدّم باعتباره ضرورة لاستعادة هيبة الدولة انتهى إلى انهيارها. والذين اتهموا المدنيين بالعجز عن الحكم لم يقدموا، بعد خمس سنوات، نموذجاً للدولة التي وعدوا بها. قدموا حرباً مفتوحة، ومؤسسات ممزقة، وملايين النازحين، وأزمة إنسانية تلاحق السودانيين داخل بلادهم وخارجها.

أما الإسلاميون الذين وجدوا في الانقلاب باباً للعودة إلى السلطة، فلا يستطيعون محو سجلهم بمجرد الاصطفاف خلف الجيش أو رفع شعارات الدفاع عن الوطن. فالدفاع عن الدولة لا يعني احتكارها، والوطن ليس ملكية خاصة لجماعة، والجيش ليس صك براءة من المسؤولية السياسية أو القانونية.

لقد كشفت السنوات الخمس أن أخطر ما فعله انقلاب أكتوبر لم يكن الاستيلاء على السلطة وحده، بل إغلاق الطريق أمام البديل المدني، وإعادة إنتاج الاعتقاد بأن مستقبل السودان يمكن أن يُحسم بالقوة. وحين فشلت القوة في إنتاج الاستقرار، دفعت البلاد الثمن من دمائها وأرضها ومستقبل أجيالها.

لهذا، فإن ذكرى الانقلاب ليست مناسبة لاستعادة الخطب القديمة، ولا لتبادل الاتهامات بين معسكرات تتنافس على تبرئة نفسها. إنها مناسبة لمواجهة السؤال الذي يهرب منه أصحاب السلطة: كيف وصل السودان إلى هذه الكارثة، ومن عطّل فرص تجنبها، ومن يواصل اليوم إطالة أمدها؟

لا سلام مستداماً من دون إنهاء الحرب، ولا دولة مدنية من دون إخضاع السلاح للمساءلة، ولا انتقال ديمقراطياً من دون تفكيك منظومة المصالح التي تجعل السلطة غنيمة، والجيش طريقاً إلى الحكم، والشعب رهينة.

في 25 أكتوبر وعدوا بإنقاذ الدولة، ففتحوا أبوابها أمام الخراب. وحين يكتب التاريخ حساب هذه السنوات، لن تكفيهم بيانات الوطنية، ولن تمحو شعارات السيادة آثار الحرب. وسيبقى السؤال الذي لا تستطيع البنادق والدبابات إسكاته، من أعطاكم الحق في أن تقرروا نيابة عن الشعب، ومن أذن لكم المقامرة بوطن كامل ؟

 

 

شارك هذا الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى