ساحل السودان وثمن النجاة.. كيف تحولت السيادة إلى ورقة تفاوض؟ تقرير

ساحل السودان وثمن النجاة.. كيف تحولت السيادة إلى ورقة تفاوض؟ تقرير
السلطة نت – تقرير
وقف المخلوع البشير في نوفمبر 2017 أمام فلاديمير بوتين في سوتشي يطلب حماية روسية من الولايات المتحدة، ويلوّح بقاعدة عسكرية على ساحل البحر الأحمر. كان وقتها رئيساً مطلوباً للمحكمة الجنائية ومحاصراً بالعقوبات، فدفع من جغرافيا بلاده مقدماً ثمن بقائه في السلطة. في يونيو 2018 خفّض السفير الروسي في الخرطوم السقف إلى «مركز للإمداد والصيانة البحرية». لم تقم القاعدة، ولم تتحرك موسكو لنجدة من طلب حمايتها، وسقط البشير في أبريل 2019 بيد الشعب السوداني.
بعد تسع سنوات من تلك الحادثة يجلس قائد الانقلاب في المقعد نفسه، ويقدّم عرضاً أوسع. أوردت التقارير الصحفية أنه عرض منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، ومخازن روسية للوقود والقمح، وامتيازات لشركات روسية في الذهب والنحاس والمعادن، ومشاركة في السكك الحديدية، وخطوطاً لوجستية نحو تشاد، وقال إن السودان يمكن أن يكون «بوابة روسيا إلى أفريقيا». هذه القائمة تضم الساحل والموانئ والمعادن والسكك في حزمة واحدة، وصاحبها قائد انقلاب خرب البلاد وجرها إلى أتون حرب قضت على الأخضر واليابس.
ماذا اشترى الأسد بقاعدته؟
لا حاجة إلى العودة إلى المخلوع البشير وحده؛ فالمثال الأوضح والأقرب هو منح بشار الأسد لروسيا عقدي إيجار لمدة 49 عاماً على قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية، مقابل التدخل العسكري الروسي.
أعطى موسكو منفذها الوحيد على المتوسط، فهل أعطته موسكو بقاءً؟ حين زحفت المعارضة في ديسمبر 2024 تهاوى جيشه في أيام، ولم تقاتل القوات الروسية عنه. وبحسب روايته هو، حوصرت حميميم نفسها بعد وصوله إليها، ولم يجد وسيلة للخروج من القاعدة التي منحها لروسيا، فأجلته موسكو إلى أراضيها. أي أن الرجل الذي سلّم القواعد لم يجد فيها ملاذاً، وانتهى لاجئاً في عاصمة حليفه!
الأسد كان أقوى من قائد الانقلاب وأوسع نفوذاً وأثقل وزناً في حسابات موسكو، وقد دفع ما دفع ولم يشتر سوى رحلة جوية. فما الذي ينتظره قائد الانقلاب من الصفقة نفسها بسعر أرخص وسلطة أضعف؟
من فوّضك؟
استولى البرهان على الحكم بانقلاب “صريح” في 25 أكتوبر 2021. ثم قاد البلاد إلى حرب شردت الملايين وهدّمت اقتصاد البلاد وأفرغت مؤسساتها. وهو يتجول اليوم في العواصم بوصفه صاحب ملكية يعرض ما يشاء. ساحل البحر الأحمر لا يملكه القائد العسكري، وموانئه ليست من ممتلكات الجيش، وذهب السودان لا يحمل ختم القيادة العامة.
من يستولي على الدولة بقوة السلاح يمكن أن يحكمها مؤقتاً، لكن لا يملك أن يرهنها. وأي التزام تبرمه سلطة بلا تفويض يجب أن يُعدّ باطلاً منذ توقيعه.
ثروة تُعرض وشعب يتضور جوعاً
أعلنت الحكومة المعيّنة من قائد الانقلاب أن إنتاج الذهب في 2025 بلغ نحو 70.15 طناً، فأين ذهبت عائداته؟ وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى نحو 73.5 مليون هكتار صالحة للزراعة لا يُستغل منها إلا أقل من 35%، وإلى ثروة حيوانية تقارب 115.4 مليون رأس.
وإذا أُضيفت إلى هذا المشهد امتيازات معدنية طويلة الأمد لشركات أجنبية، بلا رقابة ولا شفافية ولا إعلان لأسماء المستفيدين، فهذا نهب منظم بصيغة اتفاق.
ممر استراتيجي لا يُباع في الخفاء
البحر الأحمر يعبره أكثر من 10% من التجارة العالمية، ويربط المحيط الهندي بالمتوسط عبر باب المندب وقناة السويس. وقد ارتبط نحو 34% من تجارة السودان نفسه عام 2022 بالملاحة عبر القناة. وتتنافس على هذا الممر واشنطن وبكين وأنقرة والعديد من العواصم الإقليمية. وأي موطئ قدم روسي طويل الأمد على الساحل السوداني يضع السودان في قلب استقطاب دولي، ويجعل شواطئه ساحة لحسابات الآخرين.
وقد قرر البرهان ذلك وحده، من دون برلمان ولا نقاش وطني ولا خبراء، ثم سافر ليعرضه!
قائد الانقلاب يبحث عن حماية، لكن الحماية التي يشتريها بساحل بلاده لم تحمِ المخلوع البشير ولم تحمِ الأسد، وكلاهما كان أقوى منه وأكثر نفعاً لموسكو، وسقطا سقوطاً مدوياً.
والتاريخ القريب سجّل النتيجة مرتين، حاكم أعطى الأرض والموقع، ثم سقط بيد شعبه أو هرب في طائرة.
أما السودان فسيبقى بعد رحيل الحكام، ومعه ديون التزامات لم يوقّعها ولم يفوّض فيها. وستظل المسؤولية الوطنية والقانونية عن بيع الموقع والثروة معلّقة بعنق من وقّع، ومن شجّع، ومن صمت.











