ترامب بلا قيود.. قلق أوروبي من سيناريوهات الرئيس الجريح

ترامب بلا قيود.. قلق أوروبي من سيناريوهات الرئيس الجريح
السلطة نت- تقرير
أعادت نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية، التي منحت الديمقراطيين السيطرة على مجلسَي الشيوخ والنواب، قدراً من الارتياح إلى العواصم الأوروبية، لكنها فتحت في الوقت نفسه باباً لمخاوف أكثر تعقيداً بشأن سلوك الرئيس دونالد ترمب خلال العامين المتبقيين من ولايته. فخسارة الجمهوريين أغلبيتهم في الكونغرس قد تقيد قدرة الرئيس على تمرير أجندته الداخلية، دون أن تضمن تحولاً مماثلاً في سياسته الخارجية، حيث يحتفظ البيت الأبيض بهامش واسع من الحركة.
وتعكس ردود الفعل الأوروبية مفارقة سياسية واضحة. فالنتائج التي عُدت انتكاسة للنهج الترمبي لا تعني بالضرورة تراجع الضغوط الأمريكية على الحلفاء، بل قد تدفع الرئيس إلى تكثيف نشاطه الخارجي لتعويض خسارته الداخلية. ومن هنا جاء الصمت الذي التزمته معظم العواصم الأوروبية والمؤسسات الاتحادية، مقابل احتفاء أكثر وضوحاً في الأوساط الاشتراكية.
وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز من أبرز المرحبين بالنتائج، إذ اعتبر أن الأمريكيين صوتوا ضد السياسات التي تزيد الفقر والكراهية والتمييز، وضد إنكار التغير المناخي وامتيازات النخب. وربط سانشيز هذا التحول بالمشهد السياسي في إسبانيا، التي تستعد لانتخابات عامة مبكرة في وقت لاحق من نوفمبر.
لكن القراءة الأوروبية للهزيمة الجمهورية لا تنطلق من افتراض أن الناخب الأمريكي غيّر موقفه من القضايا الدولية. فبحسب التقديرات التي نقلتها صحيفة الشرق الأوسط عن أوساط أوروبية، ارتبط التصويت أساساً بقضايا داخلية، بينها ارتفاع تكاليف المعيشة، وسياسات ترحيل المهاجرين، وتقليص الخدمات الصحية، والاتهامات المتعلقة بالفساد في محيط الرئيس.
وتبرز أوكرانيا بوصفها الاختبار الأكثر حساسية لهذه المرحلة. إذ تخشى الأوساط الأوروبية التي استطلعت الصحيفة آراءها أن تدفع الهزيمة ترمب إلى تسريع مساعيه لإنهاء الحرب بشروط تفرض تنازلات إضافية على كييف، مع احتمال توظيف المساعدات الاستخباراتية والخدمات الفضائية والإمدادات العسكرية الأمريكية للضغط على الرئيس فولوديمير زيلينسكي.
ولا تبدو الأغلبية الديمقراطية الجديدة، وفق هذه القراءة، ضمانة كافية لتغيير مسار واشنطن تجاه موسكو. فالتأثير الفعلي للكونغرس على سياسة ترمب، ولا سيما العقوبات على روسيا، قد يتوقف على استعداد عدد من الجمهوريين للانضمام إلى الديمقراطيين في مواجهة توجهات البيت الأبيض. وبغير ذلك، قد يبقى التغيير الانتخابي محدود الأثر على مسار الحرب.
وفي العلاقات الأطلسية، لا يتوقع الأوروبيون بالضرورة صدمات جديدة بحجم الضغوط السابقة لزيادة الإنفاق الدفاعي أو الخلافات المتعلقة بغرونلاند. غير أن احتمال تجدد الهجمات الأمريكية على إيران يثير مخاوف مختلفة، تتصل بإمكانية تصعيد ترمب ضد الدول الأوروبية التي رفضت سابقاً السماح باستخدام أجوائها أو قواعدها في عمليات عسكرية أمريكية.
أما سياسياً، فقد منحت النتائج دفعة معنوية للقوى الأوروبية المناهضة لليمين المتطرف، وسط تقديرات بأن خسارة ترمب قد تشجع مزيداً من الأحزاب اليمينية على الابتعاد عن مظلته السياسية. لكن هذا الاتجاه ليس موحداً، إذ لا تزال قوى مثل حزب فوكس الإسباني والبديل من أجل ألمانيا تحتفظ بعلاقات سياسية مؤيدة له.
واعتبرت رئيسة الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي إيراتشي غارسيا النتائج بداية لتراجع حروب ترمب التجارية وسياساته المناهضة للمؤسسات الديمقراطية، بينما اكتفت الكتلة الشعبية المحافظة بإعلان استعداد الاتحاد الأوروبي للتعاون مع الكونغرس الجديد بشقيه الديمقراطي والجمهوري.
وتكشف هذه المواقف عن اختلاف جوهري في تقدير النتائج. فبينما تراها القوى الاشتراكية مؤشراً إلى انحسار النفوذ الترمبي، تتعامل معها المؤسسات الأوروبية بحذر، إدراكاً منها أن خسارة الأغلبية البرلمانية لا تعني فقدان الرئيس أدوات التأثير في الملفات الدولية.
وفي المحصلة، تمنح الانتخابات أوروبا فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها لا تزيل مصادر القلق التي حكمت علاقتها بواشنطن منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض. فالمسألة لم تعد تقتصر على مدى قدرة الكونغرس على كبح الرئيس، بل تمتد إلى كيفية استجابته لهزيمة سياسية داخلية بينما لا تزال أمامه سنتان لممارسة صلاحياته الخارجية.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق في المشهد الأمريكي الأوروبي. فالانتخابات التي أظهرت قدرة المؤسسات الديمقراطية على تغيير موازين السلطة قد تفتح، في الوقت نفسه، مرحلة أكثر اضطراباً في السياسة الخارجية، إذا اختار ترمب تعويض خسارته الداخلية بتصعيد الضغوط على خصومه وحلفائه. وهو احتمال تتعامل معه العواصم الأوروبية بوصفه مصدر قلق، لا نتيجة حتمية للانتخابات.











