تقارير

الكلمة كسلاح : كيف يصنع الإعلام جبهات الحرب في السودان؟

الكلمة كسلاح : كيف يصنع الإعلام جبهات الحرب في السودان؟

تقرير – سلمان الجابري

في رواندا عام 1994، لم تكن وسائل الإعلام مجرد ناقل للأخبار، بل تحولت إلى أداة تعبئة وتحريض ممنهج على أساس عرقي، حيث جرى تجريد فئة كاملة من إنسانيتها وتصويرها كخطر وجودي يجب التخلص منه.

 

وبعد انتهاء الإبادة الجماعية، لم تقتصر المحاكمات الدولية على من نفّذوا القتل، بل شملت أيضًا من حرّضوا عليه عبر الإذاعة والصحافة، في ما عُرف لاحقًا بـ«قضية الإعلام» حينها، أكدت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا أن حرية التعبير لا تبرر التحريض المباشر على العنف، وأن من يملك المنصة يتحمل تبعات ما يُبث من خلالها.

 

هذه السابقة القانونية لم تكن استثناءً، بل أصبحت مرجعًا يمكن إسقاطه على حروب اليوم، وإن اختلفت الأدوات  ففي السودان ، ومنذ اندلاع الحرب، لم تعد المعركة عسكرية فقط، بل اتسعت لتشمل الفضاء الإعلامي والرقمي.

 

أصبحت منصات التواصل الاجتماعي المصدر الأول للخبر، لكنها تحولت أيضًا إلى المصدر الأكبر للتضليل، حيث تستخدم لترويج روايات منحازة، وتبرير العنف، وشيطنة الخصوم.

 

في ظل غياب المصادر الموثوقة، لا يبحث الناس عن الحقيقة، بل عن رواية تفسر لهم ما يحدث بسرعة. هذا الفراغ تستغله الدعاية، سواء عبر حسابات فردية أو شبكات منظمة، لتلميع طرف مسلح أو شيطنة جماعة بعينها. ومع التكرار، تتحول الأكاذيب إلى قناعات، وتصبح الجرائم قابلة للتطبيع.

 

الفرق بين رواندا والسودان أن التحريض في رواندا كان مركزيًا، بينما في السودان هو موزع عبر آلاف الحسابات والمنصات، وتضخّمه خوارزميات تكافئ المحتوى الصادم. لكن النتيجة واحدة: نزع الإنسانية عن الخصم، وتبرير استهداف المدنيين، وتحويل الضحية إلى متهم.

 

في هذا السياق، يصبح ما يُعرف بـ«الدعم المعنوي والإعلامي» قضية بالغة الخطورة. من يبرر استهداف المدنيين، أو ينكر الانتهاكات الموثقة، أو يصوّر جماعة مسلحة خارج إطار الدولة بغير حقيقتها، لا يمارس رأيًا بريئًا. بل يهيئ بيئة نفسية للعنف، حتى دون دعوة صريحة للقتل.

 

الوضع في السودان لا يجري في فراغ قانوني. هناك اتهامات دولية بارتكاب جرائم جسيمة، وبعض الملفات وصلت بالفعل إلى القضاء الدولي. الترويج الأعمى لطرف مسلح، أو تبرير أفعاله إعلاميًا، قد يتحول إلى مساهمة معنوية في إطالة أمد الحرب وتشويه الحقيقة.

 

أما ما يُتداول عن دعم إعلامي منظم من بعض الدول لأطراف في الصراع، فيجب التعامل معه بجدية. فإذا ثبت وجود رعاية إعلامية لقوات الدعم السريع المتهمة بجرائم حرب، فإن المساءلة الدولية قد تطال الجهات والمؤسسات والأفراد الذين وفروا هذا الغطاء، تحت ذريعة حماية المصالح أو الاستثمارات. فالقانون الدولي لا يحاسب المنفذين فقط، بل أيضًا من يبررون أو يهيئون بيئة الجريمة.

 

قضية رواندا أثبتت أن الكلمة قد تكون سلاحًا قاتلًا. وتجربة السودان اليوم تؤكد أن تطبيع العنف عبر الإعلام، وتحويل الجرائم إلى أدوات سياسية، لا يفاقم المأساة فقط، بل يهدد بفقدان الحقيقة نفسها. وإذا استمرت الدعاية في ملء الفراغ، فإن السؤال لن يكون: ماذا حدث؟ بل: أي رواية انتصرت. وهذا أخطر ما يمكن أن تخسره المجتمعات في زمن الحروب.

 

 

شارك هذا الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى