إقتصادتقارير

​كارثة الجنيه السوداني : فاتورة الحرب تسدد من بطون الجائعين

​كارثة الجنيه السوداني : فاتورة الحرب تسدد من بطون الجائعين

السلطة نت – تقرير

حين تجاوز سعر صرف الدولار الأمريكي في السوق الموازية عشرة آلاف جنيه في الأسبوع الأخير من أكتوبر الجاري، كان الجنيه السوداني يسجل أدنى مستوى شهده في تاريخه.

وقبل أن تندلع الحرب في أبريل 2023 كان الدولار يُباع بنحو ستمائة جنيه، أي أن ثمنه تضاعف قرابة سبع عشرة مرة، أي أن العملة الوطنية فقدت نحو أربعة وتسعين في المائة من قيمتها الخارجية.

وكان الدولار عند 6,400 جنيه في 27 أغسطس، ثم بلغ 8,800 في السابع من أكتوبر، ثم تخطى الحاجز الرمزي الذي كان يُظن أن أحدًا لن يبلغه.

قد يفسّر بعضهم هذا السقوط بتقلبات السوق وجشع المضاربين وغياب الثقة، وفي ذلك قدر قليل من الصحة. غير أن من يتتبع مسار الدولار بدقة، ويسأل عمّن يشتريه ولأي غرض، يصل إلى جواب أوضح بكثير، فالحرب نفسها أكبر مستهلك للعملة الصعبة في البلاد، والسلطة التي تديرها أكبر مشترٍ للدولار في السوق التي ينهار فيها الجنيه.

تكلفة “التاتشر”

وبطبيعة الحرب، فإنها تحتاج إلى ذخائر وأسلحة وقطع غيار ومعدات اتصال ووقود، وإلى مركبات قتالية يتصدرها طراز «لاندكروزر» الذي يعرفه السودانيون باسم «التاتشر».

وتُستورد هذه البنود مباشرة من اليابان عبر الوكيل المعتمد، وإذا تعثر ذلك فعبر أسواق أخرى، والدفع بالدولار أو ما يعادله.

ولكي يدرك المواطن حجم الأرقام، يكفي أن نحسب ثمن المركبات وحدها، بالعملات التي تتعامل بها السلطة فعلًا مع جيرانها وشركائها الإقليميين.

يبلغ سعر لاند كروزر 70 موديل 2026 في السوق السعودية نحو 182,300 ريال، أي قرابة 48,600 دولار بسعر الصرف الثابت للريال، وفي قطر يبدأ السعر من 150,700 ريال قطري، أي نحو 41,400 دولار.

فإذا جُهّز متحرك واحد بسبعين عربة، بلغت الفاتورة ما بين “2.9” و”3.4″ مليون دولار، وإذا بلغ ثمانين عربة ارتفعت إلى ما بين “3.3” و”3.9″ مليون دولار. وبسعر السوق الموازية، أي عشرة آلاف جنيه للدولار، يعادل ذلك ما بين 29 و39 مليار جنيه سوداني.

وهذا ثمن المركبات مجردة، من غير الشحن والجمارك والتجهيز، ومن غير الوقود والذخيرة والسلاح والصيانة وقطع الغيار. وهو كذلك ثمن متحرك واحد، بينما تتحرك الجيوش في جبهات عدة وتستبدل ما يتلف منها دون انقطاع.

الذهب… ثروة تحرق في أتون الحرب

يحق لنا السؤال من أين تأتي هذه الملايين؟ ويقتضي المنطق أن تأتي من وزارة المالية، لكن إيرادات الدولة تراجعت من نحو عشرة في المائة من الناتج المحلي قبل الحرب إلى أقل من خمسة في المائة، بحسب بيانات البنك الدولي، وهي بالكاد تغطي الأجور والخدمات الأساسية.

ويقتضي أن تأتي من منظومة الصناعات الدفاعية، غير أن هذه المنظومة تعتمد أصلًا على المدخلات المستوردة، ولا تشارك ميزانيتها وبياناتها مع أي جهة رقابية في الدولة. وعليه، لم يبقَ أمام السلطة إلا مصدران، الذهب أو السوق السوداء.

أما الذهب فهو شريان النقد الأجنبي الأول في البلاد. وتجدر الإشارة إلى أنه أُعلن أن إنتاج عام 2025 بلغ 70.15 طنًا، وأعلنت شركة الموارد المعدنية الحكومية إيرادات صادر بلغت 2.29 مليار دولار في تسعة أشهر.

ومع ذلك تشير مصادر في القطاع إلى فجوة تقارب خمسين طنًا بين ما يُنتج وما يظهر في الصادرات الرسمية. ومع غياب البيانات العلنية، لا يملك المواطن إلا أن يخلص إلى أن الذهب الذي يُستخرج من أرضه يُحوَّل إلى مركبات وأسلحة، فيُباع في الأسواق الخارجية ليعود في صورة عربات تجوب ميادين القتال.

وتتجه الشواهد كلها إلى أن ثروة السودان المعدنية تُحرق في أتون الحرب، فلا تصل إلى الخزانة، ولا إلى مخازن الدواء، ولا إلى أرغفة الخبز.

خيار أخير… شراء الدولار

وحين لا يكفي الذهب لسد الحاجة، تلجأ السلطة إلى الخيار الأخير. وتتوارد معلومات عن توجه سلطة الأمر الواقع إلى شراء كميات هائلة من الدولار مباشرة من السوق الموازية لتمويل صفقات التسليح، بعدما تعثر توفير التمويل من مصادره المعتادة.

ولهذا القرار أثر لا يحتاج إلى براهين معقدة، فالسوق الموازية محدودة المعروض، وتقوم على تحويلات المغتربين، إن وجدت، وعائدات صادرات صغيرة متفرقة.

وحين يدخل إليها مشترٍ بحجم السلطة، يريد توفير ملايين الدولارات لصفقات متتابعة، يتقلص المعروض أمام الطلب ويقفز السعر.

ومن ثمَّ يجد التاجر الذي يستورد الدواء أو الوقود أو القمح نفسه أمام الدولار نفسه بثمن أعلى، فيضيف الفرق إلى ما يبيعه.

دورة الحرب والدولار من هنا يبدأ الغلاء رحلته

يرتفع سعر الدواء المستورد، ويغلو الوقود فتزداد كلفة النقل، فتلتهب أسعار الغذاء. وتتبع السلعُ المحلية السلعَ المستوردة، لأن الزراعة والصناعة تعتمدان على بذور وأسمدة وقطع غيار وآلات لا تُصنع في الداخل.

ويسعّر التجار بضائعهم على أساس الدولار المتوقع غدًا، فتسبق الأسعار الأرقام الفعلية. وهكذا تتسع الدائرة لتشمل ما يرتبط بالدولار وما لا يرتبط به، ولا تبقى سلعة في السوق بمنأى عن الارتفاع.

وتزيد الأرقام الدولية المشهد قتامة. فقد انكمش الناتج المحلي الحقيقي نحو 29 في المائة في 2023، ثم 14 في المائة في 2024، وقفز الفقر المدقع من نحو 48 في المئة إلى نحو 59 في المئة في 2025، ويتوقع صندوق النقد الدولي تضخمًا سنويًا يقارب 75 في المائة في 2026.

هذه الأرقام تعني حياة ملايين الأسر التي صارت تقلل وجباتها وتؤجل علاج مرضاها، وتعجز عن شراء بذور موسم زراعي جديد. والمواطن هو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة.

فهو لا يستطيع طباعة النقود، ولا النفاذ إلى الدولار بسعره الرسمي، ولا يملك من يحمّله الكلفة. وتُقتطع من خبزه ودوائه ومواصلاته الفروقات التي تنشأ حين تنافسه السلطة على الدولار الذي يعيش به.

وفي المقابل تدور الحلقة مرة أخرى، فالحرب تستهلك العملة الصعبة فيضيق السوق، وينهار الجنيه، وينكمش الإنتاج، وتتراجع الإيرادات، ثم يظهر طلب جديد على الدولار لتمويل جولة جديدة من القتال.

 

 

شارك هذا الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى