
كيف سيطر ثلاثة أشخاص على شريان الحياة واقتصاد السودان؟
السلطة نت – متابعات
في الوقت الذي يرزح فيه الشعب السوداني تحت وطأة أقسى فصول النزوح والمعاناة الأمنية والإنسانية، تكشف الصحفية رشان أوشي عن وجه آخر أكثر قسوة للأزمة، تمثل في تحول معيشة الملايين إلى لقمة سائغة في فك الجشع الاقتصادي واحتكار السلع الاستراتيجية.
وبات الوقود، باعتباره شريان الحياة الأهم في البلاد، أسيراً لسيطرة مطلقة يمارسها ثلاثة من رجال الأعمال فقط؛ فهؤلاء يتحكمون في قوت الشعب ويضعون احتياجات الناس والدولة معاً أمام معادلة قاسية ومساومات لا تحتمل، تلخص إما الخضوع لشروطهم الاحتكارقية أو مواجهة شح مدمر وأزمات خانقة تعطل الحياة اليومية.
يعود أصل الأزمة الحالية إلى مطلع عام 2026، حين أصدرت وزارة الطاقة شروطاً جديدة ومشددة على موردي الوقود، تمثلت في إلزامهم بإنشاء مستودعات تخزين باهظة التكلفة تتراوح بين 8 إلى 12 مليون دولار، إلى جانب اشتراط إيداع 200 كيلوغرام من الذهب كضمان عيني.
ومثل هذه الشروط، في اقتصاد مأزوم بفعل الحرب، أدت عملياً إلى إقصاء أغلب الموردين وإخراجهم تماماً من دائرة المنافسة، لينحصر الاستيراد في ست شركات فقط (ثلاث حكومية وثلاث تملكتها نخبة من رجال الأعمال)، مما منح الأخيرين قبضة حديدية تجمع بين الاستيراد والتوزيع في آن واحد.
وعندما ينحصر نصف مخزون الوقود في قبضة ثلاثة أشخاص، يصبح حجم العرض رهيناً لتجاذبات وموازين القوة بين الدولة والموردين. وأي خلاف محتمل حول الأسعار أو هوامش الربح ينعكس فوراً على الشارع السوداني، لتتجسد الأزمة في طوابير طويلة أمام محطات الوقود تلتهم ساعات طويلة من يوم المواطن المعذب، معطلة حركة النقل، ومضخات المياه في المزارع، ومولدات الكهرباء الأساسية في المستشفيات.
ولا تقف المخاطر عند حدود قطاع الوقود، إذ تتشابك مصالح هؤلاء الموردين النافذين لتشمل قطاع تعدين وتجارة الذهب، لدرجة حصول أحدهم على وكالة حصرية من بنك السودان المركزي لشراء المعدن الأصفر لصالح البنك.
وقد أفرزت هذه السياسات سابقاً اختلالات حادة في سوق النقد الأجنبي ومضاربات مدمرة للعملة المحلية، ما استدعى تدخلاً رئاسياً عاجلاً من رئيس مجلس السيادة لتوجيه البنك المركزي بمراجعة تلك القرارات، مؤكدة خطورة ترك مفاصل الاقتصاد الوطني في أيدي مجموعات محدودة.
تطرح هذه المعطيات تساؤلات مشروعة عن المبررات والأسباب التي تسمح بأن تكون سلعة بحجم الوقود أداة تفاوض ومسرحاً للمساومة مع الدولة، في بلد لا يحتمل المزيد من الأزمات المصطنعة. فالأمر لا يتعلق مجرد بسعر سلعة عادية، بل بمسألة أمن قومي واقتصادي تمس حياة ملايين السودانيين بشكل مباشر ومصيري.
شارك هذا الموضوع











