اخبار

ملايين الدولارات سرقت باسم الدين…صراع أجنحة منظمة الدعوة الإسلامية في أوغندا تحت رآية الحركة الإسلامية الإرهابية

ملايين الدولارات سرقت باسم الدين…صراع أجنحة منظمة الدعوة الإسلامية في أوغندا تحت رآية الحركة الإسلامية الإرهابية

 

السلطة نت – تقرير

 

كتب مفتي جمهورية أوغندا، البروفيسور شعبان رمضان موباجي، في الثالث من أكتوبر الماضي خطاباً رسمياً برقم UMSC/MO/26/0103 إلى وزيرة الدولة لشؤون الدفاع والمحاربين القدامى. أعلن فيه أن تغيير قيادة منظمة الدعوة الإسلامية جرى بصورة غير نظامية، وأنه يرقى، وفق الوثائق التي فحصها، إلى انقلاب على رئيس مجلس الأمناء الشيخ عبد الرحمن بن عبدالله آل محمود.

 

وأوصى مدير مكتب كمبالا عمر الجاز بإخلاء المكتب وتسليمه للمدير الإقليمي الجديد طه عثمان موسى كجايا، ودعاه إلى العودة إلى المقر الرئيسي وفق توجيه الأمين العام.

 

الخطاب موجّه إلى وزارة سيادية، وموزعة نسخ منه على وزير الخارجية وجهاز الأمن الداخلي ومكتب المنظمات غير الحكومية. وهو يقول إن منظمة جُمعت لها تبرعات المسلمين صارت ملفاً أمنياً وقانونياً في دولة أجنبية. وكل من تبرع بدولار لهذه المنظمة يستحق أن يعرف السبب.

 

مؤسسة بلا استقلال

 

تأسست المنظمة عام 1980 ورفعت شعارات التعليم والصحة والمياه ورعاية اليتيم. وفي أبريل 2023 نشر منتدى البحوث الاقتصادية (ERF)، ضمن سلسلة أوراقه، دراسة بعنوان «الإسلام السياسي والرأسمالية القائمة على المحسوبية في السودان، دراسة حالة منظمة الدعوة الإسلامية». رسمت الدراسة صورة مختلفة تماماً عن الشعارات. فقد تحدثت عن أنشطة تجارية واسعة، وعن إعفاءات ضريبية وائتمانات وأراضٍ ومعاملات تفضيلية حصلت عليها المنظمة في عهد المخلوع البشير، وعن علاقة تبادلية بين تلك الامتيازات والمنافع التي عادت على شبكات الإسلاميين من وظائف وتدريب ودعم سياسي.

 

وأشارت إلى أكثر من أربعين شركة عملت تحت مظلتها، وقدّرت بعض أصولها بنحو 405 ملايين دولار، مع تنبيه الباحثين إلى أن الرقم لا يشمل القيمة الكاملة للمباني والمركبات وأصول الشركات.

 

خلاصة الدراسة تضع سؤالاً على الطاولة، من استفاد من منظمة كانت تجمع باسم الفقراء وتتحرك بحماية السلطة؟

 

أجنحة تتقاتل على الخزائن

 

بعد سقوط نظام المخلوع البشير في 2019 وأسترداد أصول المنظمة بقرارات لجنة إزالة التمكين، عادت المنظمة إلى العمل بعد انقلاب الجيش السوداني في 2021 ثم انفجر الخلاف على قيادتها في مايو 2026. ففي الأول من الشهر اجتمع مجلس الإدارة وانتخب السفير القطري السابق علي بن حسن الحمادي على رأس مجلس الأمناء، ومدّد ولاية الأمين العام أحمد محمد آدم. وبعد يومين عقد مجلس الأمناء اجتماعاً طارئاً أقال فيه آدم، مستنداً إلى انتهاء ولايته في فبراير ورفضه ترتيب تسليم المهام، وانتخب يحيى آدم عثمان أميناً عاماً حتى 2030.

 

وقال الفريق القانوني لآل محمود إن ولايته تمتد حتى 2028، وإن كل القرارات الصادرة بحقه باطلة. وصدر أمر قضائي مؤقت بوقف قرار إبعاده. وفي يونيو ظهر يحيى عثمان يدير جانباً من المنظمة من مدينة الرنك بجنوب السودان ويقول إنه يسيطر على أكثر من 95% من البعثات الخارجية، بينما ظل أحمد محمد آدم يدير الأمانة العامة من الخرطوم. فصارت منظمة واحدة بقيادتين وعاصمتين وقضاء وشرطة ومجالس متنازعة. ودار الخلاف كله حول الكراسي والمكاتب والحسابات والتوقيعات.

 

من يقف مع من؟

 

تتضح خريطة الأسماء حين توضع داخل الحركة الإسلامية التي خرجت المنظمة من رحمها. فبحسب ما نُشر في 24 مايو، ترتبط الأزمة بانقسامات أوسع داخل الحركة، والمجموعة التي يتزعمها أمينها العام علي كرتي تُتهم بمعارضة الشيخ آل محمود. وفي الجهة المقابلة لآل محمود يقف أحمد محمد آدم، الأمين العام الذي رفض الاعتراف بإقالته، ويقف معه علي الحمادي، السفير القطري السابق الذي استقبله آدم في الخرطوم بوصفه رئيس مجلس الأمناء. وتداولت منصات إعلامية تسجيلاً صوتياً نُسب إلى آدم يخاطب فيه كرتي، يطلب منه تعزيز موقفه في جنوب السودان وكمبالا حتى لا تفلت المكاتب والأصول من يده.

 

ويضم هذا المعسكر في أوغندا عمر الجاز، مدير المكتب الذي رفض قرار نقله إلى الخرطوم، وصنّفه المفتي في خطابه ضمن «المجموعة الانقلابية». وفي جوبا يُنسب إلى المعسكر نفسه حسن أبو كدوك، مدير مكتب المنظمة هناك، الذي تحدثت تقارير صحفية عن بلاغ قضائي ضده في جنوب السودان يتعلق ببيع أراضٍ وتحويل أموال إلى الخرطوم.

 

أما معسكر آل محمود فيقدّم نفسه إصلاحياً. يقف فيه يحيى آدم عثمان الذي أقال المجلس خصمه وانتخبه، ومعه رئيس الفريق القانوني أبو بكر عبد الرازق، والمدير الجديد لمكتب كمبالا طه عثمان موسى كجايا. وحين وجد آل محمود نفسه خارج المنظمة التقى رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان وعرض عليه ما أعقب مصادرة الأصول، ثم ذهب إلى كمبالا وعقد مؤتمره الصحفي، فحصل على أمر قضائي وعلى خطاب مفتي أوغندا. وهو يتحدث عن «إصلاح مؤسسي» ومحاربة ملفات الفساد. غير أن الرجل نفسه يرأس مجلس الأمناء منذ سنوات، وولايته بحسب فريقه القانوني تمتد حتى 2028، فكل ما جرى في المنظمة من عقود جرى في ظل المجلس الذي يرأسه. ومن كان على رأس المجلس حين تراكمت الملفات يُسأل عنها قبل أن يرفع شعار كشفها.

 

وبين المعسكرين يقف الاسم الأقدم في الملف، جلال وهبي، مدير مكتب أوغندا السابق، الذي وُقّعت في عهده مذكرة التفاهم مع جمعية اليتيم لكفالة الطلاب. وتتحرك الأطراف كلها داخل مؤسسة تقول الدراسة الأكاديمية إنها نشأت في كنف الحركة الإسلامية. أيّ المعسكرين ينتصر، تبقى الحصيلة واحدة، مؤسسة خيرية تحمل أختام الحركة وأسماء قياداتها، وأموال المسلمين في قلب الصراع.

 

خطاب المفتي – مع من وقف، ومن خسر؟

 

حسم المفتي موقفه لصالح الشيخ عبدالرحمن آل محمود. أعلن أنه صاحب الشرعية والسلطة في قيادة المنظمة وإدارتها العامة بحسب نظامها الأساسي، ووصف الإطاحة به بأنها انقلاب، وسمّى عمر الجاز بالاسم وطلب منه تسليم المكتب لطه كجايا الذي عيّنه معسكر آل محمود. وجاء هذا الموقف بعد أشهر من استقبال المجلس الإسلامي الأعلى في أوغندا وفد المنظمة برئاسة الحمادي بوصفه رئيس مجلس الأمناء الجديد، فتغيرت وجهة المرجعية الإسلامية الأولى في البلد خلال فترة قصيرة.

 

والخطاب توصية من مرجعية دينية، وليس حكماً قضائياً. لكنه موجّه إلى وزارة سيادية ومنسوخ إلى جهاز الأمن الداخلي ومكتب المنظمات غير الحكومية، وهذا يمنحه وزناً عملياً كبيراً في بلد تقرر فيه هذه الجهات من يفتح المكتب ومن يغلقه. وبهذا الوزن تحوّل الميزان في كمبالا. فالخاسر الأول هو الجناح الخرطومي، أحمد محمد آدم، وعلي الحمادي الذي استقبله المجلس الإسلامي قبل أشهر، وعمر الجاز الذي صار مطلوباً منه علناً أن يغادر.

 

فقد هذا الجناح اعتراف أهم مرجعية إسلامية في أوغندا، وقد يفقد المكتب والحسابات المرتبطة به. ويحتفظ بالمقر العام في الخرطوم، وببعض البعثات التي لم تتحول بعد، وبأمر الخلاف المعلق أمام القضاء. وأما الرابح فهو معسكر آل محمود الذي خرج من كمبالا بوثيقة رسمية تعطيه الشرعية في عيون السلطات الأوغندية.

 

غير أن الرابح لم ينل براءة. فالمفتي حكم في الشرعية ولم يفتح ملف المال. والخطاب في صفحتيه يخلو من أي إشارة إلى الميزانيات أو الحسابات أو مصير أموال المتبرعين. تحدث عن التسلسل القيادي وسمعة المنظمة، وسكت عن المال الذي تقوم عليه ثقة المحسنين. وفاز بالمكتب من يحمل الشرعية، وبقي ألفا يتيم بلا رسوم.

 

أربعة عقود وأموال المسلمين تدخل هذه المنظمة باسم الله وتخرج منها باسم الأجنحة. دراسة أكاديمية تقدّر أصولها بنحو 405 ملايين دولار، دون أن تحصي المباني والمركبات وأصول الشركات. وشكوى أمام القضاء الأوغندي تتحدث عن أكثر من مليون دولار خُصصت لأيتام لم تصل رسومهم. وتقارير عن أراضٍ تُباع وأموال تُحوَّل بين جوبا والخرطوم. وحسابات في أكثر من دولة يتنازع الخصوم توقيعاتها. ملايين الدولارات في كل اتجاه، وخطاب المفتي نفسه لا يذكر منها رقماً واحداً.

 

كل الاسماء التي ذكرت سابقاً من طرفي الصراع هم عبارة عن عناصر إسلامية إرهابية تحاول السطو على المال الذي تم جمعه من صدقات المسلمين التي يتم توظيفها للعمل السياسي والإرهابي للإسلاميين.

 

يتحدث الجميع عن الشرعية والانقلاب والمجالس والمكاتب، ويصمت الجميع عن الدفاتر. ومن يتنازع بهذه الشراسة على مقعد يقاتل في الحقيقة على مفتاح خزينة. وهذه الخزينة امتلأت من جيوب عامل صغير وأرملة وتاجر بسيط وأسرة وضعت قرشها في صندوق التبرعات تريد به وجه الله، فتحوّل قرشها إلى سلاح في معركة بين أجنحة تتبادل تهمة الانقلاب.

 

أن تُجمع الأموال باسم الدين ثم تُدار بعقلية الغنيمة، فتلك أقسى صور التلاعب بثقة الناس. فالمتبرع لا يملك عقداً ولا إيصالاً ولا مجلساً يحاسب، وكل ما يملكه ثقته بأن اسم الدعوة يحمي ماله. وحين يصير هذا الاسم ستاراً لتوقيعات وحسابات وصفقات، يدفع الثمن اليتيم الذي انتظر رسومه، والمتبرع الذي خُدع، والدعوة نفسها التي صارت حكايتها في كمبالا وجوبا والخرطوم حكاية دولارات وأجنحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى