اخبار

من الدفاع عن الدعم السريع إلى قيادة الفرقة 18 جمال جمعة – الجيش يكافئ التلون بما تقتضيه مصلحة التنظيم – تقرير

من الدفاع عن الدعم السريع إلى قيادة الفرقة 18 جمال جمعة – الجيش يكافئ التلون بما تقتضيه مصلحة التنظيم – تقرير

 

السلطة نت – متابعات

 

حين تتبدل المواقع تبقى الذاكرة حاضرة، وحين يتغير الخطاب يحق للناس أن يسألوا عمّن يقرر موعد التغير وعن صاحب المصلحة فيه.

 

تتجاوز أزمة المؤسسة العسكرية في السودان الحروب والانقلابات وتعدد مراكز القوة. فقد أصبح النجاح داخلها مرتبطاً بالقدرة على التحور والتلون وفق مقتضيات الحالة والمشهد، وبما يوافق توجه الحاضنة التنظيمية للمؤسسة، أي الحركة الإسلامية الإرهابية، ووفقاً لمصلحتها.

 

وفي ظل هذا المعيار غير المعلن ينتقل ضباط بين مواقع متباينة دون أي معايير مهنية واضحة، وكأن المنصب الجديد يمحو ما سبقه. ويزداد الأمر خطورة حين يتحول التلون من سلوك فردي إلى طريق للصعود، وتصبح القدرة على التكيف مع مراكز القوة المتعاقبة وخدمة الجهة التي تملك مفاتيح القرار معياراً للنجاح.

 

تقدم سيرة اللواء الركن جمال جمعة آدم مثالاً يثير هذه الأسئلة. فهو من الدفعة 41 في الكلية الحربية السودانية، التي التحقت بها عام 1990 مباشرة بعد انقلاب 30 يونيو 1989 الذي نفذته الحركة الإسلامية الإرهابية، أي في مرحلة كانت الحركة قد أمسكت فيها بمفاصل الدولة والمؤسسة العسكرية.

 

وقد تشكل مساره المهني إذن داخل مؤسسة أعادت الحركة صياغة بيئتها، وهذا يجعل مساره اللاحق مدخلاً مناسباً لقراءة طريقة عمل المؤسسة نفسها.

 

عرفه السودانيون سنوات طوالاً بصفته الناطق الرسمي باسم قوات الدعم السريع، مدافعاً بقوة عن وجودها وأدوارها ومواقف قيادتها. ثم فجأة عاد اسمه إلى الظهور داخل القوات المسلحة قائداً ثانياً للفرقة 18 مشاة في ولاية النيل الأبيض، وصار في فبراير 2025 قائداً للفرقة في كوستي.

 

يتعلق السؤال بكيفية قراءة سجل رجل دافع إعلامياً عن قوة مستقلة عن الجيش في بنيتها وقيادتها، ثم تولى قيادة تشكيل من تشكيلاته، دون أن يصبح ماضيه موضوعاً للنقاش المؤسسي.

 

وتتجاوز القضية شخصه إلى العلاقة بين المهنة العسكرية والولاء للمؤسسة، وإلى المسافة بين المبادئ المعلنة والحسابات التي تفرضها التحولات السياسية والعسكرية، وإلى سؤال أكبر عمّن يملك تعريف الولاء داخل الجيش وبأي ميزان تُوزَّع المناصب.

 

من الدفاع عن الدعم السريع إلى قيادة الفرقة 18

 

في حوار نشرته صحيفة الصيحة بتاريخ 17 أكتوبر 2021 وكان بصفة العميد الناطق الرسمي، دافع جمال جمعة آدم عن وجود الدعم السريع، واعتبر دمجها في القوات المسلحة قراراً سياسياً وعسكرياً، كما تحدث عن سعيها إلى تقديم نفسها بوصفها جزءاً من الوطن والثورة.

 

وواجه اتهامات تتعلق بمسؤوليتها عن فض اعتصام القيادة العامة، مفسراً تحميلها المسؤولية بكثافة وجودها والحملات الإعلامية ضدها. ووصف نفسه في الحوار ذاته بأنه ضابط أصيل في منظومة الدعم السريع،

وفي أبريل 2020 نُقلت عنه تصريحات تؤكد تماسك المنظومة العسكرية، بما فيها القوات المسلحة والدعم السريع والشرطة وجهاز الأمن، وتدعو إلى حماية مكتسبات الثورة. وهذه مواقف منشورة يمكن الرجوع إليها وليست تأويلات لاحقة. وهي تعكس خطاباً صيغ بما يلائم مقتضيات تلك المرحلة وموازين القوة السائدة فيها.

 

وبعد عام واحد من حوار الصيحة، أوردت وكالة السودان للأنباء في 20 أكتوبر 2022 اسم العميد الركن جمال جمعة محمد قائداً ثانياً للفرقة 18 مشاة في النيل الأبيض.

 

وظهر في الموقع نفسه بتاريخ 20 نوفمبر 2023، أي بعد سبعة أشهر من اندلاع الحرب، حين تحدث عن استعدادات الفرقة وانضمام دفعة من المستنفرين للقوات المسلحة. وفي 17 فبراير 2025 نُشر خبر تكليفه قائداً للفرقة 18 مشاة في كوستي، خلفاً للواء الركن سامي الطيب.

 

أما الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة والدعم السريع فقد غيّرت المشهد كله، وجعلت مراجعة ذلك الخطاب أمراً مشروعاً.

 

مما لاشك فيه ان من حق الرأي العام أن يسأله عن تقييمه اليوم للأطروحات التي دافع عنها، وعن رؤيته لمستقبل العلاقة بين المؤسستين بعد انهيار خطاب الانسجام والتكامل العسكري.

 

فالخطاب الذي طُلب من الناس تصديقه في مرحلة لا ينبغي أن يصبح معفياً من المراجعة في المرحلة التالية. وما يلفت النظر أن الانتقال من خطاب إلى آخر لم يستدعِ تفسيراً ولا مساءلة، وجاء مصحوباً بمواقع قيادية متتالية، وكأن تغير الخطاب بتغير الحال صار هو نفسه مؤهل الترقي.

 

كولومبيا شهادة لا يجوز تجاوزها

 

في حوار نشرته صحيفة الراكوبة في 7 سبتمبر 2020، تحدث جمعة عن عملية كولومبيا المرتبطة بأحداث فض اعتصام القيادة العامة عام 2019، وقال إنه كان قائداً للقوة التي تحركت في عربات لاندكروزر. وذكر أن مهمتها كانت حماية الشرطة المكلفة بالعملية وأنها لم تكن مكلفة بفض الاعتصام.

 

وعندما سُئل عن ظهور أفراد يرتدون زي الدعم السريع ضمن القوات التي اعتدت على المعتصمين، قال إن هناك أموراً لا يستطيع كشفها، ووصفها بأنها من أسرار المخطط.

 

وبحسب روايته، كان قائداً لقوة تحركت في سياق الأحداث وليس مراقباً بعيداً عنها. لذلك تظل شهادته وتفاصيلها مهمة عند بحث المسؤوليات وتسلسل الأوامر، مع ضرورة التمييز بين الإقرار بقيادة القوة وإثبات المسؤولية عن جميع الانتهاكات، وهي مسألة تحتاج إلى تحقيق مستقل وأدلة موثقة.

 

ويبقى السؤال المطروح. إذا كان مستعداً للكشف عما لديه أمام لجنة التحقيق، فما الذي حدث لاحقاً؟ وما المعلومات التي قدمها؟ وهل أُعلنت نتائج كاملة وموثقة بشأن دوره وحدود مسؤوليته؟ المطلوب إجابة معلنة تمنع مرور الزمن أو تبدل المنصب من أن يحل محلها، وليس المطلوب إدانة مسبقة.

 

فمن يحمل في سجله أسراراً لم يكشفها، ثم يجد نفسه في موقع قيادي داخل المؤسسة التي كان خطابه السابق يقف على ضفة أخرى منها، يصبح موضوعاً مشروعاً للتساؤل عما إذا كان الصمت والتكيف جزءاً من ثمن الموقع.

 

التلون معياراً للترقي ولمن يُقاس الولاء

 

من الجدير بالذكر أن وظيفة الناطق الرسمي جزء أصيل من صناعة الرواية العامة للمؤسسة التي يمثلها، وهي أوسع من نقل الأخبار. وعندما يدافع عن قراراتها ومواقفها، تصبح تصريحاته جزءاً من سجلها السياسي والإعلامي. لذلك يثير انتقال جمال جمعة آدم إلى قيادة تشكيل في الجيش أسئلة مشروعة عن معايير الاختيار وتقييم السجل السابق ومدى اتساق التعيين مع المهنية والولاء المؤسسي.

 

فهل جرت مراجعة تصريحاته السابقة أم جرى تجاوزها؟ وهل نوقش دوره المعلن في أحداث كولومبيا؟ وكيف قُيّمت خبرته السابقة عند إسناد القيادة إليه؟

 

إن قبول هذا الانتقال دون مراجعة معلنة يطرح سؤالاً أوسع عن طبيعة المؤسسة العسكرية ومعايير الصعود داخلها. فالمؤسسة لا تتحرك في فراغ، والقراءة الأقرب لواقعها أن مفاصل القرار فيها تتأثر بحاضنتها التنظيمية، أي الحركة الإسلامية الإرهابية، التي تتداخل مصالحها وشبكاتها مع مواقع النفوذ داخل الدولة والمؤسسة العسكرية.

 

وفي هذا الإطار، يصبح الولاء مرتبطاً بمدى الاستعداد للتحرك وفق مقتضيات الحاضنة، والتحول من خطاب إلى آخر حين تتبدل حساباتها، فيما تتراجع معايير الكفاءة والثبات على المبدأ.

 

ولا يعني ذلك أن التغير المهني غير مشروع، بل إن التغير الذي يستحق الاحترام يقتضي تفسيراً واضحاً للمواقف السابقة، وتحديداً للمسؤوليات، وخضوعاً لمعايير مهنية وقانونية تسري على الجميع. أما الانتقال من موقع إلى آخر دون مراجعة، فيبعث برسالة مفادها أن إعادة التموضع قد تكون أكثر جدوى من الالتزام، وأن المنصب الجديد قادر على تجاوز سجل سابق كان ينبغي أن يخضع للنقاش والمساءلة.

 

لذا تتجاوز القضية شخص جمال جمعة آدم إلى منظومة قد تجعل التلون طريقاً للترقي، وتحوّل المناصب العسكرية إلى أدوات لاستيعاب التحولات السياسية ومكافأة القادرين على التكيف مع مراكز القوة المتعاقبة.

 

وحين يصبح هذا السلوك معياراً غير معلن للنجاح، يُكافأ الضابط على قدرته على تبديل خطابه وفق مقتضيات المرحلة ومصلحة الحاضنة التنظيمية، بدلاً من أن يُقيّم على أساس كفاءته ونزاهته والتزامه بالقانون. والنتيجة إضعاف المهنية، وإقصاء أصحاب المواقف الثابتة، وتقويض الثقة في المؤسسة وهيبة القانون.

 

إن الجيش المنشود يقوم على المهنية والمساءلة والشفافية، لا على البلاغة الإعلامية أو القدرة على تغيير المواقع والولاءات. كما أن الانتماء السياسي محظور بحكم القانون، ولا ينبغي أن تكون الولاءات التنظيمية معياراً لتوزيع المناصب أو تحديد فرص الترقي. ويتطلب ذلك معايير واضحة للتعيين والقيادة، ومراجعة السجلات المهنية، وآليات مستقلة للتحقيق والمحاسبة، بما يضمن عدم منح أي ضابط حصانة بسبب رتبته أو موقعه أو صلاته بمراكز النفوذ.

 

لذلك تبقى أمام جمال جمعة آدم والمؤسسة التي كلفته قيادة الفرقة 18 أسئلة لا ينبغي تجاوزها: ماذا يقول اليوم عن خطابه السابق؟ وما توضيحاته بشأن الوقائع التي رواها؟ وهل كان انتقاله نتيجة قناعة مهنية معلنة، أم استجابة لما تقتضيه مصلحة الحاضنة التنظيمية؟

 

هذه الأسئلة ليست استهدافاً لشخص، بل جزء من حق الرأي العام في معرفة المعايير التي تُدار بها المؤسسة العسكرية. فالذاكرة الوطنية ليست خصماً، والمساءلة ليست انتقاصاً؛ بل إن استعادة الثقة تبدأ حين يصبح الولاء للقانون والوطن فوق الولاء للأشخاص والتنظيمات، وحين لا يعود التلون طريقاً للصعود، ولا يصبح تبدل المواقع وسيلة لمحو الماضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى