اخبار

جغرافيا مجزرة جبل العقيدات تكشف تورط مصر وتعرّي عجز الجيش السوداني – تقرير

جغرافيا مجزرة جبل العقيدات تكشف تورط مصر وتعرّي عجز الجيش السوداني – تقرير

 

السلطة نت – متابعات

 

بعد الغارات الجوية التي شنها طيران الجيش المصري والتي استهدفت مواقع التعدين الأهلي في منطقة شمال الوادي وجبل العقيدات السبت الماضي، وقبلها غارات منتصف يونيو، عاد سؤال واحد إلى الواجهة: هل يعمل هؤلاء المواطنون المعدّنون داخل الأراضي السودانية أم خارجها؟ تباينت حصيلة الضحايا بين مصادر عدة؛ إذ تحدثت منظمة «محامو الطوارئ» عن 72 قتيلاً.

 

الجيش المصري أعلن أن حملته تهدف إلى فرض السيادة داخل حدود الدولة المصرية، وقال في يونيو إن عمليته جرت «داخل الأراضي المصرية».

 

هذه الرواية المصرية الكاذبة تحسم بالجغرافيا، أي بخط عرض يوازي خط الاستواء ويحدد البعد شمالاً أو جنوباً، وإحداثيات أرقام تحدد موقع النقطة على الأرض، وخريطة مرجعية معتمدة يُقاس عليها، وقياس يمكن لأي جهة مستقلة إعداده.

 

الحدود الدولية على خط عرض 22° شمالاً

 

نصّ الاتفاق البريطاني المصري الموقّع في 19 يناير 1899 على أن «السودان» يعني الأراضي الواقعة جنوب خط عرض 22° شمالاً. ووفقاً لدراسة الحدود الدولية رقم 18 الصادرة عن المكتب الجغرافي بوزارة الخارجية الأمريكية في 27 يوليو 1962، فإن الحدود الدولية بين البلدين تتبع هذا الخط على امتدادها البالغ نحو 792 ميلاً (قرابة 1,275 كيلومتراً)، باستثناء نتوء وادي حلفا، وهو شريط ضيق من الأرض يمتد شمال الخط على ضفتي النيل.

 

أين يقع جبل العقيدات؟

 

وفقاً لخرائط سلسلة «العالم 1404» البريطانية (GSGS، وهي سلسلة خرائط أصدرتها هيئة المساحة العسكرية البريطانية)، التي أوصت بها دراسة الحدود رقم 18 لتمثيل الحدود السودانية المصرية، ومنها الألواح الشرقية 566-A (الريّس) و566-D (محمد قول) و567-C (بئر أبارقة)، يظهر خط 22° شمالاً حداً دولياً في هذا القطاع.

 

أما إحداثيات جبل العقيدات، ومنجم شمال الوادي، فهي تقع في نقطة 21.82° شمالاً و34.11° شرقاً.

والحساب هنا بسيط، فالفرق بين خط 22° والموقع هو 0.18 درجة، أي نحو 10.8 دقيقة قوسية (والدقيقة القوسية جزء من ستين من الدرجة). وبما أن الدقيقة القوسية الواحدة من خط العرض تساوي نحو 1.85 كيلومتر، ودرجة العرض الواحدة نحو 111 كيلومتراً، فإن النتيجة نحو 20 كيلومتراً جنوب خط 22°، أي داخل العمق السوداني. هذا الرقم يوضح الموقع بأنه أراضٍ سودانية وفقاً للمساحة المذكورة سابقاً، ومرتبط بسوق الأنصاري التابع لمحلية أبو حمد.

 

كيف يحدد الطيران أهدافه؟

 

نأتي هنا لتوضيح طريقة عمل الطيران العسكري، إذ من حيث المبدأ العام، تعتمد الطائرات الحديثة، المأهولة والمسيّرة، على عناصر متكاملة. فهي تستخدم مستقبلات الأقمار الاصطناعية مع أنظمة الملاحة بالقصور الذاتي (أجهزة تحسب موقع الطائرة من حركتها دون حاجة إلى إشارة خارجية) التي تواصل الحساب عند ضعف الإشارة، وتستند إلى قواعد بيانات جغرافية من خرائط رقمية وصور فضائية وجوية تُسجَّل عليها إحداثيات الأهداف المحتملة قبل المهمة.

 

وتدعم ذلك طائرات استطلاع وأجهزة استشعار بصرية وحرارية ورادارية ترصد الموقع وتتابعه. وقد تحدث ناجون ومنظمات حقوقية عن تحليق طائرات استطلاع قبل غارات السبت الماضي الموافق 10 أكتوبر الجاري. وتبقى مرحلة التحقق من هوية الهدف، وهي تتعلق بطبيعة المكان لا بإحداثياته.

 

والمغزى هنا أن تحديد موقع نقطة على الأرض صار اليوم عملية بالغة الدقة، تُقاس بالأمتار. لذلك يصعب الاحتجاج بالغموض الجغرافي لتفسير وقوع هجوم في مكان معروف، يعمل فيه آلاف الأشخاص منذ سنوات، وله طرق وأسواق وخيام ظاهرة في الصور الفضائية.

 

وينبغي هنا التمييز بين ثلاث مسائل مستقلة، هي: أين الموقع، وما طبيعته، وهل الاستهداف مشروع قانوناً؟

 

والإجابة عن الأولى لا تغني عن الثانية والثالثة. وبحسب قواعد القانون الدولي الإنساني، يتمتع المعدّنون الأهليون بوصفهم مدنيين بحماية من الهجوم ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية، ولا تتغير هذه الحماية بتغير الجانب الذي يقع فيه المنجم من الحدود. وبعد أن يثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الموقع داخل السودان، فإن أي عمل عسكري تنفذه دولة أخرى فيه من دون موافقة السودان يثير مسألة مستقلة تتعلق بالسيادة.

 

نتيجة لا تقبل الطعن

 

المعطيات تضع جبل العقيدات وشمال الوادي على نحو 20 كيلومتراً جنوب خط 22° شمالاً، أي داخل الجانب السوداني، وهو الخط الذي تعتمده مصر نفسها حداً دولياً.

تُظهر القياسات المتاحة أن المعدّنين يعملون جنوب الخط بمسافة تتجاوز بكثير هامش الخطأ في أي جهاز قياس.

 

المعطيات السابقة تشير بوضوح إلى أطماع النظام المصري وجيشه في الموارد الطبيعية السودانية في ظل حالة الضعف الكبيرة التي يعاني منها الجيش السوداني وعدم وجود حكومة شرعية تقود جيشاً وطنياً يدافع عن سيادة أراضيها ومواطنيها، وإلا لم يجرؤ الجيش المصري على تحريك طيرانه وقصف أراضٍ يسهل على أي جهة مستقلة أن تثبت أن تلك الأراضي خارج حدودها الجغرافية، وأن السردية التي يقدمها النظام المصري في أنها تحارب عناصر متفلتة تعمل على التعدين في أراضٍ تتبع لسيادتها هي سردية لا أساس لها من الصحة.

 

أيضاً تفتح تلك الحادثة التساؤل واسعاً عن دور الجيش السوداني الذي يزعم قادته بأنهم يدافعون عن سيادة الأرض وكرامة المواطنين.

 

أكدت تلك الحادثة أن جيش البرهان كاذب في حديثه عن الدفاع عن الأرض والعرض، وأن انقلاب أكتوبر وحرب أبريل الحالية أوصلا السودان والسودانيين إلى أقصى درجات الذل والهوان وتآكل حدود البلاد الجغرافية دون أن تكون له القدرة على أن يحرك سكاناً، وكشفت هذا الملف أيضاً عجز سلطة الأمر الواقع في السودان عن إثبات حقوق الدولة السودانية على أرضها. فبعد غارات يونيو، وُعد بتحقيق لم تظهر له نتيجة، وبعد غارات أكتوبر لم يصدر عن السلطات تعليق رسمي في الساعات الأولى، ثم جاء الإعلان عن لجنة تقصٍّ جديدة. وفي كل مرة يبقى المعدّنون وحدهم في الصحراء، بلا حدود مرسَّمة تحميهم، ولا حضور إداري أو عسكري يسندهم، ولا ملف جغرافي موثّق يُقدَّم للأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي.

 

وحين تعجز سلطة عن تقديم خريطة وإحداثيات وتقرير قياس دفاعاً عن مواطنيها وأرضها، فإنها تفرّط في السيادة وفي كرامة من يعملون في أرض بلادهم، ويُقتلون فيها، ولا يجدون من يدافع عنهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى