عويل الأهالي لم يشفع لهم.. المجنزرات العسكرية تسوي منازل “طيبة الشيخ عبد الباقي” بالأرض – تقرير

عويل الأهالي لم يشفع لهم.. المجنزرات العسكرية تسوي منازل “طيبة الشيخ عبد الباقي” بالأرض – تقرير
السلطة نت – تقرير
بكاء وعويل النساء وصراخ الأطفال أمام المجنزرات العسكرية الضخمة وآليات الإزالة، كلها لم تشفع لسكان منطقة طيبة الشيخ عبد الباقي من إزالة منازلهم، دخلت تلك الآليات على منازل أطراف القرية فتركتها أثراً بعد عين في ساعات محدودة، فما القصة؟
قوات عسكرية ضخمة مشكلة من القوات النظامية والمليشيات المتحالفة معها، لو رأيتها لحسبتها متحركاً عسكرياً يقصد المناطق الملتهبة في كردفان أو النيل الأزرق لخوض معركة دموية مع الدعم السريع، أو تحرير بعض أراضي الوطن المحتلة من بعض دول الجوار، لكنها كانت ذاهبة كالعادة إلى خوض معركتها مع مواطن أعزل في قرية صغيرة بولاية الجزيرة.
بدأت القصة بحسب روايات المواطنين المختلفة من قبل 45 عاماً من الآن، حيث استوطنت بعض المجموعات السكانية القادمة من غرب البلاد للعمل في الزراعة بأكبر مشروع زراعي في السودان، في قرية طيبة الشيخ عبد الباقي. وجدت هذه المجموعات الملاذ الآمن فبدأت في تشييد المنازل والمباني المتحركة والثابتة المبنية من الطين وتلك المبنية بالبنيان المسلح، فيما يقولون إنهم طوال هذه الفترة لم ينازعهم أحد في الأراضي التي شُيدت عليها تلك المباني، التي اشتروها كما يقولون من الشيخ أزرق طيبة وأبنائه من بعده بعقود بيع موثقة.
المتضررون يتهمون السلطات التي أصدرت القرار بالعنصرية ومحاولة تهجير المجموعات غير الأصيلة في القرية قسرياً من المنطقة، في تجاوز للحق الدستوري في التملك والسكن لجميع المواطنين في أي بقعة بالسودان، لكن المتضررين يقولون إن العنصريين داخل السلطة واللجان التسييرية بالمنطقة قرروا تهجيرهم من المنطقة مستغلين أجواء الحرب وخطاب الكراهية المستشري في البلاد، علاوة على اعتماد قوة السلاح في الترهيب والطرد دونما مراعاة لحقوق المواطنة، بتواطؤ كامل من السلطة المركزية واستغلال النفوذ الاجتماعي والديني بالمنطقة.
المواطنون المتضررون يبرزون المستندات والعقود الموثقة التي تثبت حيازتهم لتلك الأراضي حيازة مستقرة وهادئة وغير متنازع عليها لأكثر من 45 عاماً، بإجراءات بيع صحيحة لا يجوز تجاهلها أو الالتفاف عليها، ولا يمكن أن تتحول المعاملات السابقة في عمليات البيع والشراء إلى وقائع منسية لمجرد تغيير المصالح وارتفاع قيمة الأراضي.
أحد المتضررين أكد لـ”صحيح السودان” أن الحق في امتلاك الأرض لا يسقط بتغيير الأسعار والحقوق لا تُمحى بالجرافات والنزاعات في الأراضي لا تُحسم بالرغبات الشخصية، مشيراً إلى أنها حياة كاملة لا يجوز اختزالها في عبارة “الوجوه الغريبة” ولا يمكن محوها بقرار إزالة دون تمكين المتضررين من حقوقهم القانونية والإنسانية.
بالرجوع إلى روايات المتضررين يتضح جلياً أن هناك عمليات بيع وشراء قد تمت بين أصحاب الأراضي وملاكها الجدد، ووفقاً للمتضررين فقد دفعوا مقابل هذه العملية أموالاً لأصحاب الأراضي واستقرت فيها أسر لعشرات السنين، فيما تريد السلطات وبقرار مفاجئ نزعها بالقوة الجبرية لصالح ربما أحفاد البائعين دون الحصول على حكم قضائي أو إبراز ما يثبت ملكيتهم من جديد بعد أن باع الآباء الأراضي لأصحابها الجدد، فكيف تم ذلك؟
للإجابة على السؤال في عجز الفقرة السابقة يقول أحد المتضررين إن عملية الإزالة في الأساس تمت بقرار إداري صادر من لجان التسيير بالمنطقة وبدعم من نافذين في سلطة الولاية والمحلية، تحركت اللجان واستصدرت قراراً من وزارة التخطيط العمراني باعتبار أن المباني تقع في حرم القرية وشُيدت بشكل عشوائي دون تخطيط، فيما يتساءل عن الدوافع التي جعلت هذه اللجان بدعم من السلطة تتحرك في هذه الأيام تحديداً وتقوم بعملية الإزالة بطريقة أشبه بالمعركة الحربية دون تكافؤ أطرافها.
المتضرر يؤكد أن القصة في مجملها جاءت بعد اتهامات من لجان التسيير مسيسة تتهم المجموعات السكانية بتهمة التعاون مع الدعم السريع دون أن تُدون بلاغات جنائية في المتعاونين حسب زعمها أو تقدم أدلة تثبت التهمة، لكن حتى هذا الاتهام لا يعطي الحق لهذه اللجان في تشريد الناس من بيوتهم ومساكنهم بالقوة الجبرية دون الحصول على حكم قضائي.
مركزية مؤتمر الكنابي قالت في بيان إن سيادة حكم القانون لا تعني إهدار حقوق المواطنين ولا تمنح أي جهة الحق في تشريد الأسر أو المساس بحقوقها الأساسية دون مراعاة الضمانات القانونية والإنسانية العادلة.
وأضافت المركزية أن ما ورد في بيان لجان التسيير في المنطقة بشأن الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة يعكس نوايا تلك اللجان في التهجير القسري، إذ لهذه الأسر التي تم تشريدها لها أيضاً الحق في تأمين حياة أطفالها وأجيالها القادمة، وليس هناك حفظ حقوق يتم في مقابل مصادرة حقوق أخرى، مشددة على أنه لا يجوز أن تُحتكر حقوق المستقبل لفئة محددة.
مركزية الكنابي طالبت بتحقيق عاجل ووقف الإزالة وحماية حقوق المواطنين والفصل في النزاع بواسطة الجهات المختصة، وتشكيل لجان تحقيق مستقلة وشفافة لفحص ملابسات القضية والاستماع إلى جميع الأطراف دون انحياز، ومراجعة جميع العقود والمستندات المتعلقة بالمنازل محل النزاع، والتحقق من صحة المعاملات والحقوق المترتبة عليها.
وفي بيان صادر من الزعيم الديني بالمنطقة الشيخ الريح أزرق طيبة، وهو أحد المتهمين بتحريض السلطات ضد المواطنين بإزالة منازلهم، نفى أي علاقة له بما حدث من أحداث إزالة بالمنطقة، مضيفاً أن ما حدث أمر طبيعي قامت به السلطات المختصة بتنظيم الأراضي، فيما قالت لجان التسيير صاحبة قرار الإزالة إنها راعت في قرار النزع والإزالة حفظ حقوق الأجيال القادمة من أبناء سكان القرية الأصليين باعتبارهم أصحاب حق في تلك الأراضي التي تقع في حرم القرية.











