اخبار

عطش وتسمم : كيف دمرت الحرب مصادر المياه في السودان؟

عطش وتسمم : كيف دمرت الحرب مصادر المياه في السودان؟

 

السلطة نت – تقرير

 

لم تكتفِ الحرب في السودان بتدمير الأراضي الزراعية والأسواق ومصادر إنتاج الغذاء، بل امتدت آثارها إلى شبكات المياه ومحطات المعالجة، لتضيف إلى أزمة الجوع وجهاً آخر أكثر خطورة. فالمياه الملوثة أو المنقطعة تحرم السكان من احتياجاتهم الأساسية وتفتح الباب أمام انتشار الأمراض والتسمم وتفاقم سوء التغذية، وتعرقل علاج الأطفال الذين يواجهون خطر الموت بسبب الجوع.

 

وفي تقريرها “المياه تحت القصف”، الصادر في نوفمبر 2026، تحذر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) من تزايد الهجمات التي تلحق أضراراً بمنظومات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في مناطق النزاعات. ويوثق التقرير الهجمات في 23 بلداً وإقليماً خلال الفترة من يناير 2021 إلى يونيو 2026، مشيراً إلى أن الهجمات المبلغ عنها التي تسببت في تضرر أو تدمير هذه المنظومات تضاعفت ثلاث مرات بين عامي 2021 و2025.

 

ويكشف الوضع في السودان عن حجم التداعيات الإنسانية لانهيار خدمات المياه. فبحسب التقرير، لم تكن تعمل في ولاية الخرطوم، حتى مارس 2024، سوى محطة واحدة لمعالجة المياه من أصل 13 محطة، بعد أن تعرضت بقية المحطات لأضرار جراء القصف والاشتباكات والنهب. وأدى ذلك إلى تراجع إمدادات المياه الآمنة، ودفع أعداداً كبيرة من السكان إلى الاعتماد على مصادر بديلة تزداد مخاطر تلوثها.

 

ولا تتوقف خطورة هذا الوضع عند العطش، إذ يؤدي غياب المياه النظيفة إلى انتشار الكوليرا والإسهال المائي الحاد والتهاب الكبد، وهي أمراض تستنزف أجساد الأطفال وتضعف قدرتهم على امتصاص العناصر الغذائية. وهكذا يتحول نقص المياه إلى عامل مباشر في تفاقم سوء التغذية، خصوصاً لدى الأطفال الذين يعانون أصلاً من الهزال الحاد ونقص الغذاء.

 

وتتضاعف المخاطر مع احتمال تعرض مصادر المياه للتلوث الكيميائي، نتيجة تسرب الوقود والمواد السامة من المنشآت المتضررة ومخلفات الحرب، فضلاً عن استخدام مواد كيميائية سامة في الهجمات العسكرية. وفي هذا السياق، تبرز الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان. ففي مايو 2025، أعلنت الولايات المتحدة أنها خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت عقوبات على السودان. كما كشفت تحقيقات صحفية عن أدلة تشير إلى استخدام غاز الكلور في هجمات قرب مصفاة الجيلي شمال الخرطوم في سبتمبر 2024.

 

وفي سبتمبر 2026، نشرت “يورونيوز” تحقيقاً استند إلى إفادات شهود وأدلة رقمية، خلص خبراء سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى أنها توفر مؤشرات ذات مصداقية تستدعي تحقيقاً دولياً. وتنفي سلطة بورتسودان هذه الاتهامات، ولم يصدر حتى الآن حسم مستقل ونهائي بشأنها.

 

ويثير استخدام المواد الكيميائية في العمليات العسكرية مخاوف تتجاوز آثار التعرض المباشر للغازات السامة، لتشمل احتمالات تلوث التربة والبيئة ومصادر المياه، بحسب طبيعة المواد المستخدمة ومواقع الهجمات. وقد يؤدي التعرض لبعض هذه المواد إلى أضرار في الجهاز التنفسي والعينين والجلد والكبد والكلى، بينما يصعب اكتشاف بعض أشكال التلوث الكيميائي دون فحوص مخبرية متخصصة.

 

وتزداد المخاطر عندما يتعلق الأمر بعلاج الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد. فالأغذية العلاجية، ومنها الحليب العلاجي المستخدم في برامج إنقاذ الأطفال، تحتاج إلى مياه آمنة عند تحضير بعض تركيباتها. وانعدام المياه النظيفة يعرقل تقديم العلاج، حتى عندما تتوفر الإمدادات الغذائية والطبية، ويحول نقص المياه إلى عائق أمام إنقاذ حياة الأطفال.

 

وفي فبراير 2025، وفرت اليونيسف وشركاؤها إمكانية الحصول على مياه آمنة ومحسنة لنحو 1.2 مليون شخص في السودان، ووجهت تدخلاتها إلى 845 ألف شخص في 24 منطقة عالية المخاطر، شملت مناطق متأثرة بالمجاعة. كما أعادت تأهيل 27 منشأة مياه وقدمت الدعم الفني والتشغيلي لـ208 منشآت أخرى.

 

ولا تقتصر تداعيات انهيار المياه على الصحة والتغذية؛ إذ يضطر الأطفال، خصوصاً الفتيات، إلى قطع مسافات أطول لجلب المياه، ما يعرضهم لمخاطر العنف والاستغلال ويحرمهم من التعليم. كما تتعطل المستشفيات والمدارس عندما تنقطع عنها إمدادات المياه والطاقة.

 

في السودان، حيث تتسع رقعة الجوع وتتفاقم أزمة سوء التغذية، لم تعد معركة الحصول على الغذاء منفصلة عن معركة الحصول على المياه. فالحرب التي تدمر مصادر الغذاء وتقطع طرق الإمداد، تحاصر السكان أيضاً بالعطش والأمراض ومخاطر التلوث الكيميائي، وتجعل إنقاذ الأطفال من المجاعة أكثر صعوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى