اخبار

البرهان يشعل برميل البارود في المنطقة ..مقاتلون من تيغراي في حرب السودان.. تجنيد قسري وتدريبات في إريتريا 

البرهان يشعل برميل البارود في المنطقة ..مقاتلون من تيغراي في حرب السودان.. تجنيد قسري وتدريبات في إريتريا

 

السلطة نت – تقرير

 

في مشهد يلخص اتساع دائرة الحرب في السودان وتداخلها مع صراعات دول الجوار، أظهرت مقاطع فيديو متداولة مجموعة من الشبان يرتدون أزياء عسكرية، ويتحدثون باللغة التغرينية، في قبضة قوات الدعم السريع.

وفي أحد التسجيلات، يقول شاب إنهم أُجبروا على المشاركة في الحرب السودانية بعد تجنيدهم قسراً، فيما يتحدث التعليق المصاحب للمقاطع عن استدراجهم بوعود الحصول على رواتب شهرية تبلغ 200 دولار.

 

وتنسب الصفحات التي تداولت التسجيلات هؤلاء الشبان إلى إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، وتتحدث عن تجنيدهم بواسطة جهات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) قبل إرسالهم للقتال إلى جانب الجيش السوداني.

كما يذكر التعليق أن المجندين أُبلغوا بأن رواتبهم تُحوّل إلى حسابات مصرفية، دون أن يتسلموها فعلياً.

 

مشاركة التغراي إلى جانب الجيش

 

ظهور هؤلاء الشبان يعيد فتح ملف مشاركة مقاتلين من تيغراي إلى جانب الجيش السوداني، ويطرح أسئلة خطيرة بشأن اعتماد قيادة عبد الفتاح البرهان على مقاتلين من خارج البلاد في حرب دفع السودانيون ثمناً باهظاً لاستمرارها منذ أبريل 2023.

 

وبحسب إفادات من سكان محليين وشهادات جُمعت من المنطقة، استعان الجيش السوداني بمقاتلين من إقليم تيغراي خلال معارك استعادة مدينة ود مدني في يناير 2025.

 

وبعد أربعة أيام من استعادة المدينة، ظهر تسجيل مصور للضابط السوداني السني حيدر، يشكر فيه مقاتلين تيغرانيين على مشاركتهم في القتال، ويشيد باستعدادهم لمواصلة العمليات العسكرية. ويظهر في التسجيل عدد من المقاتلين إلى جواره. وذكرت المصادر أن الضابط السني حيدر مرتبط بالحركة الإسلامية الإرهابية وكتائب البراء بن مالك، وأنه ساهم في تجنيد أفراد من الأقلية المسلمة في تيغراي.

وتقدم معلومات نشرها موقع “Sudan Peace Tracker” في 14 مايو 2026 تفاصيل إضافية عن انتشار هؤلاء المقاتلين. فقد ذكر التقرير أنهم شاركوا بوصفهم وحدات مشاة إلى جانب الجيش في معارك ولايتي الجزيرة وسنار خلال نوفمبر 2024، وأنهم يحتفظون بمركز قيادة في مدينة ود مدني.

ونقل عن مصادر عسكرية أن مشاركتهم جاءت ضمن تفاهمات مع الجيش السوداني تتعلق بتبادل الدعم في حال اندلاع مواجهة مستقبلية مع الحكومة الإثيوبية.

 

مقاتلون حاصلون على صفة لاجيء؟

 

وأشار التقرير إلى أن بعض هؤلاء المقاتلين كانوا ضمن القوة الإثيوبية المشاركة في قوات الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (UNISFA)، وأن مئات منهم حصلوا على اللجوء السياسي في السودان بعد اندلاع حرب تيغراي أواخر 2020، ما وفر للجيش السوداني قوة بشرية تضم أفراداً لديهم خبرة عسكرية سابقة.

 

ولا يقتصر الأمر على الجزيرة وسنار. ففي تقرير صدر في 18 فبراير الماضي، أكدت مجموعة الأزمات الدولية أن عدة آلاف من أبناء تيغراي، معظمهم من منطقة غرب الإقليم المعروفة باسم ولقايت، قاتلوا إلى جانب الجيش السوداني، بعد أن ظلوا عالقين في شرق السودان منذ حرب تيغراي.

وأشار التقرير، المعنون ب”إثيوبيا وإريتريا وتيغراي: برميل بارود في القرن الأفريقي”، إلى أن مئات من أبناء تيغراي الذين كانوا ضمن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في أبيي غادروا مواقعهم وانضموا إلى الجيش السوداني وحلفائه في شرق ووسط البلاد.

 

وقائع مضبوطة

 

وتكتسب هذه المعلومات أهميتها من أن التقرير يستند إلى مقابلات أجرتها مجموعة الأزمات الدولية مع ضباط عسكريين سودانيين ودبلوماسيين ومحللين خلال الفترة بين نوفمبر 2025 ويناير 2026. كما يوضح أن إريتريا تنظر إلى الجيش السوداني باعتباره حليفاً مهماً لحماية أمن حدودها الغربية، وأن أسمرا دعمت الجيش عبر تدريب مجموعات مسلحة حليفة له.

 

وفي النيل الأزرق، ظهرت مؤشرات إضافية على مشاركة مقاتلين تيغرانيين في الخطوط الأمامية. ففي 17 سبتمبر 2026، نشر موقع “Sudan War Monitor” تقريراً عن سيطرة قوات الدعم السريع على حامية جبل قدام، في منطقة باكوري شرق الكرمك، بعد معارك مع الجيش والقوات المتحالفة معه. وأشار إلى تسجيلات مصورة لأسرى قالت قوات الدعم السريع إنهم مقاتلون من تيغراي شاركوا في القتال إلى جانب الجيش، بينها تسجيل لشخص وصفته بأنه ضابط في جبهة تحرير شعب تيغراي.

 

الجيش 70 !

 

وتكشف تقارير صحفية وبحثية عن تشكيل عسكري يحمل اسم “الجيش 70” (Army 70)، يضم آلاف المقاتلين والضباط من أصول تيغرانية، كانوا يعملون سابقاً في القوات المسلحة الإثيوبية قبل انشقاقهم أو فرارهم إلى السودان خلال حرب تيغراي.

 

وتشير التقارير إلى أن تشكيل “الجيش 70” يتخذ من المناطق الحدودية داخل السودان قاعدة لتحركاته. وذكرت تقارير أن عناصر من التشكيل عبرت الحدود إلى إثيوبيا مطلع أغسطس 2026، وشاركت في هجوم على قوات إثيوبية بالقرب من منطقة شيريرينا. كما أشارت إلى أن الأراضي السودانية توفر عمقاً لوجستياً لتحركات هذه القوات في مواجهاتها مع الحكومة الإثيوبية.

 

استياء إثيوبي

 

وأثارت مقاطع الأسرى، الذين بدا بعضهم في سن مبكرة، حالة من الاستياء في أوساط إثيوبية، مع تداول تعليقات تنتقد الزج بالشبان في حرب خارج بلادهم. وقال متفاعلون إن هؤلاء الشباب كان ينبغي أن يكونوا بين أسرهم وفي مقاعد الدراسة، لا في ساحات القتال، معتبرين أن ظهورهم أسرى في السودان يكشف الثمن الذي يدفعه جيل من الشباب نتيجة حملات التجنيد والصراعات السياسية والعسكرية في المنطقة.

 

وتتزامن هذه المعطيات مع حملة تجنيد قسري واسعة شهدها إقليم تيغراي خلال عام 2026. ففي 6 يوليو، كشفت منظمة هيومن رايتس ووتش عن عمليات اختطاف وتجنيد غير قانوني استهدفت مدنيين، بينهم أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم 15 عاماً، نفذتها قوات ومسؤولون محليون في الإقليم منذ أبريل.

 

ووثقت المنظمة ست حالات تجنيد قسري، استناداً إلى مقابلات مع 18 شخصاً، بينهم شهود وأقارب مجندين وأشخاص تمكنوا من الإفلات من عمليات التجنيد. وتضمنت الإفادات اقتياد شبان من الشوارع والمنازل والأسواق ومواقع تعدين الذهب، واحتجازهم في مكاتب إدارية ومراكز شرطة، قبل نقلهم إلى معسكرات عسكرية في شمال وجنوب الإقليم.

 

وفي إحدى الشهادات التي أوردتها المنظمة، قال عامل في منجم ذهب إن قوات مسلحة جمعت نحو 50 إلى 60 رجلاً وشاباً، وأبلغهم مسؤول محلي بأنهم سينضمون إلى قوات الدفاع عن تيغراي، رغم اعتراضهم. وأفاد بأن المسلحين استخدموا أسلحتهم لإجبارهم على الصعود إلى الشاحنات.

 

ولم تقتصر الانتهاكات على المجندين، إذ تحدثت المنظمة عن احتجاز أقارب شبان رفضوا الالتحاق بالخدمة، وإجبار أسر على إحضار أبنائها، فضلاً عن تهديدات طالت من يحاولون الفرار من التجنيد.

 

احتجاج إثيوبي

 

وفي 7 يوليو، أضاف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بعداً أكثر مباشرة إلى القضية، عندما تحدث أمام البرلمان عن تجنيد شباب من تيغراي قسراً وإرسالهم للقتال في السودان، قائلاً إنهم يفقدون حياتهم في حرب لا يفهمونها ولا تربطهم بها صلة. وهذا التصريح يمثل اتهاماً رسمياً إثيوبياً بوجود عملية نقل لمجندين إلى الحرب السودانية.

 

كما نقلت الجزيرة، في تقرير نشرته في 25 سبتمبر 2026، شهادات لشبان فروا من الإقليم خوفاً من التجنيد الإجباري. وتحدث أحدهم عن اقتياده مع شبان آخرين إلى مكتب الإدارة المحلية، قبل أن تدفع أسرته 20 ألف بر إثيوبي، ما يعادل نحو 123 دولاراً، لإطلاق سراحه. وغادر لاحقاً إلى أديس أبابا خوفاً من اعتقاله مجدداً.

 

وتكشف إفادة مصدر أمني سوداني عن تفاصيل إضافية بشأن نقل المجندين إلى السودان. وقال المصدر إن حملات تجنيد نُفذت داخل إقليم تيغراي، وإن الشبان الذين جرى استقطابهم نُقلوا عبر الحدود إلى معسكر ساوا العسكري في إقليم قاش بركة الإريتري، حيث تلقوا تدريبات عسكرية قبل إرسالهم إلى السودان للقتال إلى جانب الجيش. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل هذه الإفادة أو تحديد أعداد المجندين الذين نُقلوا بهذه الطريقة.

 

البرهان وتجنيد المرتزقة..!

 

بالنسبة إلى السودان، تضع هذه الوقائع قيادة الجيش بقيادة البرهان أمام أسئلة تتجاوز مسألة وجود مقاتلين أجانب في صفوف قواتها. فمن المسؤول عن استقدام هؤلاء المقاتلين وإلحاقهم بالقوات التي تخوض الحرب؟ وما طبيعة الترتيبات العسكرية والسياسية التي أتاحت انتقالهم من إقليم تيغراي إلى جبهات القتال؟ وهل تعلم قيادة الجيش بظروف تجنيدهم، بما في ذلك الاتهامات المتعلقة بالإكراه والاستغلال المالي؟

 

إن استعانة الجيش بمقاتلين من خارج السودان، في وقت تتواصل فيه الحرب وتنهار فيه مؤسسات الدولة وتتفاقم الكارثة الإنسانية، تكشف مدى استعداد قيادة البرهان لتوسيع دائرة الأطراف المشاركة في الصراع، بدلاً من العمل على إنهائه. وإذا صحت شهادات التجنيد القسري ونقل الشباب إلى السودان، فإن القضية لا تتعلق فقط بتوسيع الجيش لقوته البشرية، وإنما باستغلال شباب جرى انتزاعهم من مجتمعاتهم ودفعهم إلى حرب لا تخصهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى