عثمان شطه : تصدعات معسكر الجيش الجيش السوداني

تصدعات معسكر الجيش ومأزق ما بعد الحرب
السلطة نت – عثمان شطة
يفتح تصريح مني أركو مناوي، الذي حذّر فيه من التمرد إذا جرى إنشاء مليشيات جديدة موازية للقوات المشتركة، نافذة مهمة على ما يجري داخل معسكر الجيش، ويكشف عن تناقضات تتجاوز الخلاف حول تشكيل قوة جديدة إلى صراع على مستقبل النفوذ في غرب السودان.
فمعسكر الجيش، الذي جمعته الحرب ضد الدعم السريع، ليس كتلة متجانسة؛ فهو يضم الجيش، والقوات المشتركة، وحركات مسلحة، وقوى شعبية وتشكلات جديدة، بينها مجموعات من المنشقين عن الدعم السريع. ومع تغير موازين الحرب، بدأت المصالح المختلفة داخل هذا المعسكر تظهر بصورة أكثر وضوحاً.
وتبدو مخاوف مناوي مرتبطة باحتمال نشوء قوى عربية جديدة في دارفور وكردفان، بما قد يعيد تشكيل ميزان القوة داخل المعسكر نفسه. فالمسألة بالنسبة له لا تتعلق بقوة عسكرية إضافية فحسب، وإنما بمن يملك تمثيل غرب السودان ومن سيكون صاحب النفوذ في مرحلة ما بعد الحرب.
وهنا تكمن أهمية التطور بالنسبة لتحالف «تأسيس»، الذي يمثل الدعم السريع مكوناً أساسياً فيه. فبدلاً من النظر إلى الخلاف باعتباره مجرد صراع بين مناوي والبرهان، ينبغي قراءته باعتباره مؤشراً على أزمة داخل التحالف المناهض لتأسيس نفسه، وعلى صعوبة الحفاظ على وحدة معسكر يجمع قوى تختلف في مصالحها ورؤيتها لمستقبل الدولة.
لكن هذه التصدعات لا تعني بالضرورة تفكك المعسكر عسكرياً؛ فقد تدفع مخاوف الأطراف من بعضها إلى مزيد من التسليح والاستنفار. ولذلك فإن الخطر الأكبر هو أن تتحول المنافسة السياسية إلى صراع اجتماعي أو إثني، خصوصاً في دارفور وكردفان.
ومن هنا، فإن قيمة هذه التطورات بالنسبة لتأسيس لا تكمن في الدفع نحو «حرب داخل الحرب»، وإنما في إبراز التناقضات السياسية داخل معسكر الجيش وطرح السؤال الأوسع: هل يستطيع السودان إنهاء تعدد الجيوش، أم أنه يتجه إلى إعادة إنتاجه بأسماء وقوى جديدة؟
إن تحويل الانقسام إلى مواجهة عسكرية جديدة سيعمّق مأساة الإقليمين، بينما يمكن تحويله سياسياً إلى نقاش حول شكل الدولة، واحتكارها للسلاح، ومستقبل الترتيبات الأمنية. وفي هذا السياق، ينبغي أن يركز خطاب تأسيس على أن الأزمة ليست صراعاً بين هويات اجتماعية، وإنما صراع حول الدولة والسلطة واحتكار القوة. فدارفور وكردفان لا ينبغي أن تتحولا إلى ساحات لتصفية الحسابات بين شركاء الحرب السابقين.
إن السؤال الحقيقي الذي تفرضه هذه التطورات ليس: من سينتصر داخل معسكر الجيش؟ بل: هل ستقود الحرب إلى دولة واحدة بجيش وطني، أم إلى دولة تتعدد فيها الجيوش تبعاً لموازين القوى الاجتماعية والإقليمية؟ لذلك فإن التطورات الراهنة تفرض على القوى السياسية السودانية، بما فيها القوى المنخرطة في مشروع «تأسيس»، الانتقال من مراقبة التصدعات العسكرية إلى طرح رؤى سياسية قادرة على تحويلها من مصدر جديد للصراع إلى مدخل لإنهاء الحرب.
والمطلوب ليس استبدال قوة مسلحة بأخرى، وإنما بناء توافق وطني يعالج جذور الأزمة، ويضع حداً لتعدد مراكز القوة، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية يكون فيها السلاح خاضعاً لمؤسسات الدولة والقانون.
وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل السودان لن تحدده فقط نتائج المعارك، بل قدرة القوى السياسية على تقديم مشروع يتجاوز ثنائية الغلبة العسكرية والانتقام المتبادل، ويستوعب أقاليم السودان وتنوعها الاجتماعي والسياسي ضمن عقد وطني جديد. ومن ينجح في تقديم هذا البديل سيكون أكثر قدرة على مخاطبة السودان الذي أنهكته الحرب، والذي يبحث اليوم عن دولة لا عن منتصر جديد.
عثمان شطه
الأمين العام للجبهة المدنية لإيقاف الحرب واستعادة الديمقراطية
شارك هذا الموضوع











