العدوان المصري – حين يصبح الدم السوداني رخيصاً

العدوان المصري – حين يصبح الدم السوداني رخيصاً
السلطة نت – متابعات
بقلم – محمد الهادي
حين يصبح الدم السوداني رخيصاً إلى هذا الحد، وحين تُختزل الأرواح في قوائم إحصائية، وتغدو الكرامة ترفاً، فاعلم أن المأساة تجاوزت حدود الحرب إلى انهيار المعنى نفسه، معنى الدولة، ومعنى الوطن، ومعنى أن يكون للإنسان حق في الحياة.
أيُّ دولة هذه التي تعجز عن حماية مواطنيها وحدودها، وتتركهم فريسة للموت والعدوان والنزوح والجوع؟
وأيُّ وطن هذا الذي يُجبر أبناؤه على الفرار من بيوتهم بحثاً عن الأمان في الصحراء، بينما يتحارب البعض على السلطة، كأن الأرض بلا أصحاب، وكأن الدم المسفوك لا يخص أحداً؟
في أقصى شمال السودان، تمتد المأساة إلى المعدّنين الذين يطاردون رزقهم في صحراء قاسية، فإذا بهم يواجهون الموت من السماء.
جاءت الأخبار تحدثنا عن قصف بالطيران المصري، وعن قتلى وجرحى، وعن أجساد أنهكها العمل في المناجم قبل أن تجد نفسها في مواجهة نيران لا تملك ردّها.
هؤلاء ليسوا جنوداً في حرب، ولا يحملون أسلحة، ولا تحميهم مراكز السلطة، إنهم سودانيون حملوا مشقة الصحراء بحثاً عن لقمة العيش، فإذا بالموت يلاحقهم حتى في أقاصي البلاد.
والأكثر إيلاماً من أزيز الطائرات هو الصمت الذي يحيط بمصائرهم. أين الجيش الذي يُرفع اسمه كل يوم باسم الدفاع عن السيادة؟ وأين الدولة حين يصبح مواطنوها عرضة للقصف، فلا يجد ذوو الضحايا من يطمئنهم، ولا يجد الجرحى من يتحدث باسمهم، ولا يسمع الناجون موقفاً يبدد خوفهم؟
السيادة ليست راية تُرفع في الخطب، ولا شعارات تُطلق في ساحات التعبئة، السيادة أن يعرف المواطن أن وراءه دولة لن تترك دمه مباحاً، وأن الاعتداء عليه لن يمر كأن شيئاً لم يكن.
أيُّ وجع هذا الذي يعيشه السوداني، حين يخشى الموت من الطائرات، ثم يواجه صمتاً أشد قسوة من الموت نفسه؟ وأيُّ عزاء يمكن تقديمه لأم تنتظر ابنها العائد من الصحراء، فلا يعود، أو لأسرة تتلقى خبر مقتله، ثم تنتظر من سلطات بلادها كلمة تشرح ما حدث، فلا تجد إلا الفراغ؟
هكذا يصبح الدم السوداني رخيصاً مرتين، مرة حين تستهدفه الطائرات، ومرة حين لا يجد من يصون حرمته، ويطالب بحقه، ويضع حياة مواطنيه فوق حسابات المصالح والحرب.
إن أخطر ما تفعله الحرب أنها تمنح الطموحات السياسية غطاءً من الدم، وتؤجل أسئلة الحرية والعدالة إلى أجل مجهول.
حين يصبح الدم السوداني رخيصاً، لا يكفي أن نحصي القتلى ونرثي المدن. علينا أن نسأل: من يستفيد من استمرار الحرب؟ ومن يحاول تحويل مآسي السودانيين إلى جسر للعودة إلى السلطة؟ ومن يضمن ألا تتحول تضحيات اليوم إلى وقود لاستبداد الغد؟
لا تكون حرمة الضحايا مصونة ما دامت دماؤهم عرضة للتجاهل، وموتهم بلا مساءلة، وحقوق ذويهم بلا إنصاف. فالسودان الذي يستحقه أبناؤه هو وطن لا تُستباح فيه الأرواح تحت نيران الطائرات، ولا يُترك فيه دم القتلى رهينة للصمت والحسابات السياسية، ولا تتحول فيه المأساة إلى فرصة لاستعادة سلطة قديمة. وطنٌ تُصان فيه حياة الإنسان وكرامته، ويجد فيه الضحايا العدالة، وتجد فيه أسرهم إجابات عن موت أبنائها، بدلاً من أن تواجه الفجيعة وحدها في بلدٍ يُقتل فيه أبناؤه، ثم يُطوى خبرهم في صمتٍ ثقيل.











