حكومة بلا دولة قراءة استراتيجية في تعيين رئيس وزراء بلا أدوات
حكومة بلا دولة قراءة استراتيجية في تعيين رئيس وزراء بلا أدوات
متابعات-السلطة نت
– عروة الصادق
ونحن نبلغ ذروة جحيم الصيف الغائظ مختلطاََ بحريق العاصمة الإدارية وإشعال بعض المدن الأخرى نمضي لنغوص في خضم رماد الحرب، وسواد المشهد السياسي السوداني.
فيلوح تعيين الدكتور كامل إدريس رئيسًا للوزراء كخبر مثير للفضول، وربما باعث على بصيص من الأمل لدى بعض المتعطشين لأي بارقة تغيير، لكن ما يبدو للبعض خطوة نحو الانفراج، في حقيقته صدى لذات الأزمة المتجذرة التي ظلّت تعيد إنتاج نفسها: أزمة سلطة بلا شرعية، ومدنيّة بلا صلاحيات، وتحالفات تُعيد تمثيل المسرحية ذاتها بأقنعة جديدة.
إنّ السؤال اليوم لم يعد: من يحكم السودان؟ بل: كيف يُحكم السودان؟ وهل يمكن لشخص، مهما بلغت كفاءته ونقاء يده وسعة علاقاته الدولية، أن يُحدث فرقًا حقيقيًا داخل منظومة صمّمت أصلاً لإجهاض أي تحول ديمقراطي؟
هذه المسودة لا تحتفي بالتعيينات ولا تنشغل بالأسماء، بل تتوغّل في عمق السؤال الجوهري: ما هو شكل النظام الذي يمكن أن يولد من تحت أنقاض الحرب والخراب وانقلاب أكتوبر ٢٠٢١م ودم إبريل ٢٠٢٣م؟ وما هي الشروط التي لا بد منها، إن أردنا عبورًا حقيقيًا إلى الدولة المدنية؟
خمسة محاور نطرحها لا لتأطير النقاش، بل لتفكيك الوهم وفتح بوابة التفكير الجذري، بعيدًا عن الهتاف والتمنّي، فمن لم يشخّص المرض بدقة، لن يكتب له الشفاء، ومن لم يملك مشروعًا يُفكّك تحالف الهيمنة، سيبقى يدور في فلك التعيينات الشكلية، والمناورات العبثية.
أولًا: وهم الصلاحيات في ظل نظام عسكرتاري مغلق
في نظام سياسي تتحكم فيه المؤسسة العسكرية بجميع مفاصل الدولة، ويدير سلطته البرهان وحده لا شريك له، فإن أي تعيين على رأس الجهاز التنفيذي ـ مهما علا قدر صاحبه ـ يتحول إلى مجرد واجهة لتغطية قبضة السلاح، وتعيين الدكتور كامل إدريس، بكل ما يتمتع به من رصيد دولي وخبرة إدارية، لا يخرج عن هذا الإطار إلا إذا تغيّرت طبيعة السلطة ذاتها.
1. دولة فوق الدولة فالجيش في السودان لا يتبع السلطة التنفيذية، بل يتجاوزها، ويتعامل مع مكتب رئيس الوزراء كجهة غير ملزمة، بل في كثير من الأحيان كخصم محتمل إن لم يصبح سكرتارية تنفيذية.
2. عقم صلاحيات غير مصحوبة بالقوة ولا يملك كامل إدريس جهازًا تشريعيًا منتخبًا، ولا أدوات رقابة فاعلة، ولا قوات أمنية مدنية تضمن تنفيذ قراراته. إنه، فعليًا، يملك القلم ولا يملك اليد.
3. اقتصاد مملوك للسلاح ومفاصل الاقتصاد السوداني ـ من الذهب إلى التجارة إلى الجمارك ـ تقع تحت سيطرة إمبراطوريات عسكرية وشبه عسكرية، ما يجعل رئيس الوزراء في موقع المتسول لا صاحب القرار المالي.
4. الأمن بيد غير الدولة وجهازا المخابرات والشرطة لا يتبعان لرئيس الوزراء، بل للمجلس العسكري ومراكزه السيادية، وهو ما يُبطل أي محاولة لإصلاح جهاز الدولة المدني من الداخل.
5. الشرعية المبتورة والثورة المنحورة؛ بدون شرعية ثورية حقيقية أو سند جماهيري واضح، يتحول منصب رئيس الوزراء إلى منصب شكلي وفق الوثيقة الدستورية المخرقة الممزقة “الملتقة”، ولا يملك التأثير في القرارات الكبرى مثل الحرب أو السلم أو العدالة الانتقالية ولن يجروء على ملاحقة الجناة.
6. الإقصاء الممنهج للقوى المدنية إذ تُدار الحكومة التنفيذية بمنطق العسكرة لا المشاركة، ويُقصى عنها ممثلو النقابات، لجان المقاومة، وقوى الثورة، مما يعزل رئيس الوزراء عن القاعدة الحقيقية لأي تغيير.
7. القانون مُفرَّغ من المضمون، فلا توجد محكمة دستورية، ولا قضاء مستقل، ولا نيابة عامة نزيهة، ولا حماية قانونية حقيقية للقرارات الصادرة من رئاسة الوزراء، فكل القوانين قابلة للتعطيل بأمر طوارئ يصدر من الجنرالات.
إن كامل إدريس ليس هو المشكلة، بل البيئة السلطوية التي جُرّ إليها، ومهما حاول من إصلاح، فدونه عقبات بنيوية لا يمكن القفز عليها بمؤهلات أو نوايا حسنة، والإصلاح لا يبدأ من المكتب التنفيذي، بل من إعادة صياغة العقد المدني-العسكري الذي يحكم الدولة.
ثانيا: الإسلاميين كقوة موازية معرقلة
إذا كانت المؤسسة العسكرية تحتكر أدوات الدولة الصلبة، فإن الإسلاميين يتحكمون في مفاصلها الناعمة؛ فهم الدولة العميقة التي لا تظهر على السطح ولكنها تتحكم في مسار التيار، وتعيين كامل إدريس في هذا السياق لن يواجه فقط سطوة الجنرالات، بل جدارًا أيديولوجيًا صلدًا بنته الحركة الإسلامية منذ ثلاثة عقود داخل كل مؤسسات الدولة، من النيابة إلى الجامعات، ومن البنوك إلى الإعلام، ومن التعليم إلى القضاء، ولن يسمح هذا الجدار لأي مشروع مدني حقيقي بأن ينمو، حتى لو زرعه أكثر التكنوقراطيين نُبلاً.
الإسلاميون يرون أن أي محاولة لإعادة تعريف الدولة السودانية خارج قوالبهم الصلبة هي تهديد وجودي لهم، لذا سيواجه كامل إدريس بتكتيك “القتل البطيء للمبادرة”: تأجيل، عرقلة، تسويف، تشويه، ثم اغتيال معنوي من داخل النظام نفسه. يستخدمون في ذلك أدواتهم البيروقراطية التي ظلوا يحتفظون بها حتى بعد الثورة، ويعيدون تنشيطها الآن ضمن تحالف استراتيجي مع العسكر، قائم على تبادل الحماية بالشرعية؛ وفي هذا التحالف، لا يُنظر إلى رئيس الوزراء إلا كواجهة تجميلية لمشروع استعادة دولة التمكين، لا شريكًا في بناء مستقبل جديد.
الإسلاميون يملكون سردية جاهزة لتدمير أي محاولة إصلاحية: إما مؤامرة خارجية تهدف لسلخ البلاد عن هويتها، أو اختراق علماني خبيث، أو طعن في “الثوابت الوطنية”، أو حتى فرية رسم الذات الإلهية، ويملكون المنابر، الخطاب الديني، التوجيه التربوي، الأجهزة الدعوية، ومجموعات التأثير المجتمعي، التي ستُعبّأ فورًا ضد أي توجه إصلاحي يصدر عن الحكومة، ولو كان في أبسط الملفات كحقوق النساء أو استقلال القضاء، ومع وجود هذه الترسانة الناعمة، يصبح أي مشروع مدني ـ ولو متكئًا على النوايا الصافية ـ معرّضًا للإجهاض قبل ولادته.
هذه القوة الموازية لا تحتاج إلى إعلان تمرد، بل تمارس سلطتها من تحت الطاولة، بصمت وفعالية، وبكتائب ظل صارت تتبجح في العلن، تستطيع إفراغ أي إصلاح من مضمونه، وتطويعه لصالح منظومتها، أو في الحد الأدنى تحييده حتى يفقد بريقه الشعبي، ولا شيء أصعب من حكم دولة حين تكون مفاتيحها في أيدي خصومك العقائديين الراديكاليين الذين يعرفون أنك لا تملك أن تصرف قرارك إلا بموافقة من فوق أو تحت الطاولة، وهكذا، لن يُمنح كامل إدريس فرصة حقيقية لتجريب أفكاره، لأنه سيقضي ولايته ـ إن مضت ـ في الدفاع عن صلاحياته لا في تفعيلها، وفي تفسير نواياه لا تطبيقها.
لذلك لا تعويل حقيقي على منصب بلا سلطة (حبال بلا بقر)، ولا على رجل (ناعم) وسط منظومة (خشنة ودموية) تُقاوم التغيير كغريزة بقاء، وكل محاولة لتجميل الواجهة المدنية دون تفكيك هذا التحالف العضوي بين العسكر والإسلاميين، ليست سوى عبور إلى المجهول مغلف بشعارات حكم مدني لا تتجاوز الحبر الذي كُتبت به.
ثالثا: حدود العلاقات الدولية وجدواها في ظل المعادلة الداخلية المعطوبة
في الوقت الذي يُعوَّل فيه على د. كامل إدريس في استثمار رصيده الدولي، سواء من خلال علاقاته مع الأمم المتحدة، أو موقعه السابق في المنظمة العالمية للملكية الفكرية، أو دوائر القرار الإفريقية والأوروبية، إلا أن تجارب السودان الحديثة تثبت أن العلاقات الخارجية، مهما بلغت متانتها، تفقد فعاليتها إذا لم تكن مدعومة بمعادلة داخلية متوازنة، فالعالم لا يُراهن على الأفراد بمعزل عن بيئاتهم، بل يتعامل مع موازين القوة الفعلية داخل الدولة. وبما أن الجيش والإسلاميين يحتكرون أدوات القوة على الأرض، فإن كامل إدريس سيكون، في نظر المجتمع الدولي، مجرد “واجهة مدنية” في نظام عسكري مغلق، وليس رأس حكومة سيادية حقيقية.
الأطراف الدولية نفسها باتت منقسمة حول السودان، ليس فقط في ما يتعلق بمن يحكم، بل في كيفية إنهاء الحرب ومتى، بعض الدول، خاصة في الخليج، ترى في استمرار سيطرة الجيش “صمام أمان” يمنع الفوضى على حدود البحر الأحمر، في حين أن أطرافًا غربية تدعو لحكم مدني، لكنها تفعل ذلك بلغة إنشائية تفتقر إلى أدوات الضغط الفعّال، بل وتُموِّل أحيانًا مشاريع إنسانية تُدار عبر مؤسسات مقربة من العسكر، ما يرسّخ هيمنتهم بدل تقويضها. كامل إدريس، في هذا الواقع، لن يكون لاعبًا دوليًا حرًّا، بل وسيطًا محدود التأثير في معركة أكبر من منصبه، وأضيق من علاقاته.
حتى إذا ما تلقى دعمًا من الاتحاد الإفريقي أو وساطات دولية لإطلاق مبادرات سياسية، فسيصطدم بجدار داخلي من المؤسسات التي يسيطر عليها خصوم التغيير، ستُفرغ الاتفاقيات من مضمونها في التنفيذ، وتُفرمل المبادرات في مراحلها الأولى، وتُعاد هندسة أولوياتها لخدمة بقاء المنظومة الحالية، وهذا ما حدث مرارًا في التاريخ السياسي القريب، حين وُقّعت اتفاقيات في العلن ثم أُجهضت في دهاليز المخابرات.
الإسلاميون تحديدًا يمتلكون باعًا طويلاً في مخاطبة الخارج بلغة مزدوجة: ففي حين يظهرون بمظهر الدولة “العقلانية” التي تحارب الإرهاب وتضبط الحدود وتمنع الانفلات، فإنهم على الأرض يعملون على تمكين خطاب عنيف متطرف راديكالي إقصائي وعسكري يعيد إنتاج الحرب والانقسام، ما يجعل أي حكومة مدنية رهينة هذا الابتزاز والارهاب؛ وكامل إدريس ـ إن لم يمتلك قدرة على كسر هذه الحلقة الجهنمية داخليًا ـ فلن تنفعه علاقاته خارجياً، لأن الخارج نفسه يتعامل مع نتائج الفعل السياسي لا مع صفات الرجال.
وفي ظل عجز القوى المدنية عن تشكيل كتلة صلبة داعمة، أو فرض ضغوط شعبية تخلق بيئة داخلية لنجاح أي مبعوث إصلاحي، فإن د. كامل سيدخل لعبة محاطة بالألغام، وحين ينفجر أحدها، لن يتذكره أحد سوى بوصفه تجربة أخرى لشرعنة حكم الواقع، لا لتغييره.
رابعا: استخدام الحرب كأداة استراتيجية لإفشال أي مشروع مدني
إن الحرب التي يزعم النظام العسكري والإسلاميون أنهم يخوضونها باسم “السيادة” و”حماية الدولة”، ليست سوى أداة استراتيجية لإفشال أي مسار مدني محتمل، وإنها ليست مجرد صراع مسلح، بل نظام حكم قائم على استمرار المعركة، حيث تُوظَّف لغة الطوارئ لتقنين الاستبداد، وتُسخَّر موارد الدولة لخدمة المجهود الحربي لا لإعمار ما دمّرته الحرب ذاتها.
في ظل هذا الواقع، فإن تعيين د. كامل إدريس لا يمكن فصله عن كونه تفويجًا لحكومة ظل تعمل تحت سقف المؤسسة العسكرية، التي تحتكر القرار السيادي، وتُحرك الميدان السياسي والاقتصادي بقوانين عسكرية، لا برؤى مدنية، فالميزانية القومية، بدل أن تُرصد لإعادة الإعمار أو دعم الحكم المدني، تُوجَّه مباشرة لقنوات الحرب، ولشراء الولاءات العسكرية والقبلية، ما يجعل الحكومة المدنية المفترضة دون موارد، ودون قدرة حتى على دفع رواتب موظفيها، ناهيك عن تنفيذ خطط إصلاحية.
الحرب كذلك تُستخدم كدرع يمنع أي رقابة سياسية أو شعبية: فباسم “الأمن القومي” يُغلق المجال العام، وتُكمم الأفواه، وتُعلق القوانين المدنية. أي رئيس وزراء، حتى وإن حمل نوايا وطنية صادقة، سيتحول إلى مدير أزمة بيروقراطي، يصدر البيانات ويقابل السفراء، لكنه لا يُغيِّر شيئًا في المعادلة الحقيقية للسلطة، لأن الميدان هو من يحكم، لا المكتب التنفيذي.
بالتالي فإن تعيين د. كامل إدريس، من دون كسر هذه الحلقة الجهنمية، ومن دون تهيئة بيئة سياسية وأمنية تسمح بتفعيل الإرادة المدنية، لن يكون سوى محاولة ناعمة لتجميل وجه السلطة، لا تغيير بنيتها، وستبقى الحرب قائمة، لا كضرورة أمنية، بل كآلية حكم. وحين يحاول رئيس الوزراء الحديث عن السلام أو التنمية أو العدالة، سيُقال له: “هذا ليس وقت السياسة، بل وقت المعركة”، ويُطوى ملفه مثل من سبقوه.
ختامًا: إن المخرج الوحيد الممكن لا يكمن في التعيينات الرمزية ولا في التجميل المؤسسي لنظام متهالك، بل في تفكيك تحالف القوة والهيمنة الذي يجمع بين العسكر والإسلاميين، والذي ظل لعقود يُدير الدولة كغنيمة، لا كوطن.
التحدي الحقيقي ليس بناء “حكومة كفاءات” بل استعادة الدولة المختطفة.
وذلك يبدأ أولًا باعتراف صريح بأن الأزمة في السودان هي أزمة بُنية سلطة، وليست مجرد أزمة أداء أفراد. كامل إدريس أو غيره، مهما علا قدره ومهما حسنت نواياه، لن يستطيع خرق جدار هذه السلطة إن لم يتغير ميزان القوى الحاكم. فأي انتقال ديمقراطي حقيقي يتطلب أكثر من التمنيات: يتطلب مواجهة مع شبكات المصالح المتجذرة، ومع الذهنية الانقلابية التي ترى في الحكم المدني تهديدًا وجوديًا.
لذا فإن المخرج يبدأ من إعادة تعريف دور العسكر: لا بد من نزع وظيفتهم السياسية، وإعادتهم لموقعهم الطبيعي كحماة للحدود لا كصناع قرار سياسي أو اقتصادي، وهذا يتطلب توافقًا مدنيًا واسعًا، يتجاوز الانقسامات الفوقية، ويعيد تعبئة الرأي العام خلف مشروع وطني جذري وشجاع، المشروع الذي لا يساوم على العدالة الانتقالية، ولا يهادن الدولة العميقة، ولا يخشى إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية نفسها، حتى لو اصطدم ذلك بممانعة العسكر.
ثانيًا: لا بد من تحالف مدني صلب، لا يعتمد على نخب مأزومة أو مشروطة، بل على قوى اجتماعية حية: لجان المقاومة، النقابات، الحركات النسوية، الشباب، المزارعين، وكل من لم يتلوث بمصالح السلطة. تحالف لا يخشى أن يقول إن الحكم يجب أن يُنتزع، لا أن يُستجدى.
خلاصة الأمر: كامل إدريس قد يكون نقطة ضوء في العتمة، لكنه وحده لا يكفي. فالنظام القائم لا يعاني من نقص في الكفاءات بل من تخمة في السلطوية، ولا شيء سيتغير ما لم يجرِ إعادة هندسة السلطة نفسها، من سلطة فوقية قابضة إلى سلطة مدنية قائمة على التوازن والمحاسبة والتداول. ما لم يحدث ذلك، سيبقى كل رئيس وزراء، كائنًا من كان، شاهدة مدنية في مقبرة عسكرية مفتوحة.
شارك هذا الموضوع :











