عنوان الحقيقة – ود المرحوم – التعليم في السودان : منارة تطفأ عمدًا

عنوان الحقيقة – ود المرحوم – التعليم في السودان : منارة تطفأ عمدًا
السلطة نت – ود المرحوم
في قلب كل أمة تسعى للنهوض ، يقف التعليم كأول الأعمدة وأقواها ، هو البوابة التي تعبر منها الشعوب إلى المستقبل، والوسيلة التي تبنى بها العقول وتصاغ بها الهويات.
لكن في السودان، يبدو أن هذا العمود قد ترك ليتآكل ، لا بفعل الزمن وحده ، بل بفعل سياسات ممنهجة ، وتواطؤ صامت، وأحيانًا تصفيق حار لتجار الأزمات الذين حوّلوا التعليم من رسالة إلى صفقة ، ومن حق إلى امتياز، ومن أمل إلى عبء.
الأزمة التعليمية في السودان ليست وليدة اللحظة ، لكنها بلغت اليوم مرحلة حرجة، تهدد ليس فقط حاضر الأجيال ، بل مستقبل الدولة بأكملها.
فحين يصبح التعليم عبئًا على الأسر ، بدل أن يكون وسيلتها للارتقاء ، وحين يقاس النجاح بعدد المدارس الخاصة لا بجودة التعليم، نكون قد انحرفنا عن المسار، وفتحنا الباب واسعًا أمام انهيار لا يبقي ولا يذر.
في المدارس الحكومية ، المشهد قاتم ، فصول مكتظة ، تتجاوز أحيانًا السبعين طالبًا في غرفة واحدة ، بلا تهوية، بلا مقاعد كافية ، بلا أدوات تعليمية ، معلمون يعملون في ظروف قاسية ، برواتب لا تكفي لسد الرمق ، دون تدريب مستمر، ودون دعم نفسي أو مهني ، مناهج دراسية متقادمة ، لا تواكب العصر ، ولا تعد الطالب لمواجهة تحديات الواقع.
مدارس بلا كهرباء ، بلا مياه ، بلا بيئة آمنة ، كيف ينتظر من طفل في هذا الواقع أن يتفوق؟ كيف نطلب منه أن يحلم بمستقبل أفضل؟
في المقابل ، تنمو المدارس الخاصة كالفطر ، تسوّق نفسها بوصفها “البديل الآمن”، وتفرض رسومًا باهظة لا يقدر عليها سوى قلة من الميسورين ، وهكذا، يعاد إنتاج التفاوت الطبقي منذ الطفولة: أبناء الأغنياء في مدارس مكيفة ، بوسائل تعليمية حديثة، وأنشطة لا منهجية ، ودروس تقوية، بينما أبناء الفقراء يُتركون في الهامش ، يصارعون من أجل البقاء ، لا من أجل التفوق.
الخطير في الأمر أن هذه الفجوة لم تعد ترى كأزمة ، بل كأمر واقع ، بل أكثر من ذلك ، بات يحتفى بمن يربحون من هذا التفاوت ، ويقدمون كرواد في التعليم، وتمنح لهم الجوائز والمنابر ، وكأنهم أنقذوا ما تبقى من النظام التعليمي ، بينما هم في الحقيقة جزء من المشكلة ، لا من الحل.
إنهم لا ينقذون التعليم ، بل يعيدون تشكيله وفق منطق السوق: من يدفع أكثر، يتعلم أكثر ، ومن لا يملك ، فليبحث عن بدائل لا وجود لها.
هذا الواقع لا يمكن فصله عن السياسات الحكومية التي تخلت تدريجيًا عن مسؤوليتها في تمويل التعليم ، وفتحت الباب أمام الخصخصة دون ضوابط ، فبدل أن تستثمر الموارد في تحسين المدارس الحكومية ، وتدريب المعلمين ، وتحديث المناهج ، توجه الميزانيات إلى مجالات أخرى ، ويترك التعليم لمصيره ، وهكذا، يتحول التعليم من أداة للتحرر ، إلى وسيلة لإعادة إنتاج الفقر والتهميش.
إننا بحاجة إلى وقفة جادة ، لا مجرد شعارات ، لا يمكن الحديث عن نهضة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية دون تعليم قوي ، عادل ومتاح للجميع ، لا يمكن بناء دولة حديثة على أساس تعليمي هش، يقصي الغالبية ، ويكافئ القلة ، لا يمكن أن نصفق لمن يربح من وجع الناس ، ونصمت عن منظومة تهدر الطاقات ، وتطفئ الأحلام.
التعليم ليس سلعة ، التعليم ليس امتيازًا. التعليم ليس مشروعًا استثماريًا ، التعليم هو حق، وواجب ورسالة ، ومن لا يؤمن بذلك لا يستحق أن يمنح شرف الحديث باسمه ، ناهيك عن إدارته.
– نعم لتعليم أبنائنا
– لا للاستثمار في الجهل
– لا للمتاجرة بمستقبل السودان
– التعليم حق لا امتياز
شارك هذا الموضوع











