سنجة : جرس إنذار في زمن الانتقال – ماحدث يعتبر فشل استخباراتي

سنجة : جرس إنذار في زمن الانتقال – وما حدث فشل استخباراتي
متابعات – السلطة نت
كتب السفير د. معاوية البخاري: لم تكن مسيرة سنجة حدثًا عابرًا في سياق الحرب الدائرة وتعقيداتها الأمنية، بما ترتب عليها من شهداء وجرحى وخسائر في الممتلكات، بل شكّلت إنذارًا متجددًا بشأن هشاشة الترتيبات الأمنية وخطورة الاستخفاف ببيئة التهديد المركّب التي ما زالت تحيط بالدولة السودانية في كل مرفق، خصوصًا في لحظة يُفترض أنها تمهّد لانتقال الحكومة المدنية وعودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم.
فالعملية أعادت طرح أسئلة جوهرية حول حجم الاختراق وفاعلية الأجهزة وطبيعة المعركة التي لم تعد تقليدية، بل ممتدة في الزمان والمكان والعقول.
إن ما جرى في سنجة اليوم يندرج ضمن نمط متكرر من العمليات اليومية التي تعتمد على الخلايا النائمة والاختراق الاستخباري واستغلال الثغرات الإجرائية والنفوذ المادي باستغلال ضعفاء النفوس، وليس فقط على القوة العسكرية الصلبة.
هذا النمط يؤكد أن التمرد، مدعومًا برعاته الإقليميين وشبكات مصالحه الداخلية، لم يفقد قدرته على المبادرة ولا يزال يحتفظ بأدوات تخريب نوعية قادرة على إرباك المشهد وإرسال رسائل تخويفية وسياسية وأمنية في توقيتات حساسة.
الحديث عن انتقال الحكومة المدنية إلى الخرطوم لا يمكن فصله عن سؤال الأمن بكل ركائزه، فالخرطوم بما تمثله من رمزية سيادية وثقل إداري ومراكز قرار تظل الهدف الأبرز لأي محاولات تخريبية تسعى إلى تقويض الاستقرار أو ضرب الثقة في قدرة الدولة على حماية نفسها ومؤسساتها، وعليه فإن أي اجتماع رفيع المستوى أو نشاط سياسي أو عودة تدريجية للمؤسسات يجب أن يُتعامل معه باعتباره عملية أمن قومي استراتيجي لا مجرد إجراء إداري أو سياسي تعبوي.
ما تفرضه هذه المرحلة هو الانتقال من عقلية إدارة الحدث إلى عقلية منع الحدث، عبر بناء طوق أمني متعدد المستويات وشبكات أمان احترازية بخطط محكمة تدمج بين العمل الاستخباري الاستباقي والتأمين الميداني الصارم والانضباط المعلوماتي وعدم التساهل مع أي مظاهر رخاوة أو تداخل صلاحيات.
أثبتت التجارب الأخيرة، ومنها مسيرة سنجة وقبلها مسيرة الأبيض التي استهدفت أسرة كاملة، أن الخطر الأكبر لم يعد في الجبهات المفتوحة بل في الخلايا النائمة المزروعة داخل المدن والأرياف والمؤسسات، وسنجة لها تجربة قاسية مع التمرد لشهور تظل آثارها باقية وأحيانًا داخل أجهزة الدولة نفسها.
هذه الخلايا تعمل بصمت وتنتظر اللحظة المناسبة وتستفيد من الفوضى الإدارية وضعف التنسيق وتسريب المعلومات لتنفذ عمليات ذات أثر نفسي وسياسي يفوق حجمها المادي، وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة فحص وتدقيق شامل للكوادر العاملة في المواقع الحيوية والعسكرية، وتفعيل آليات الفرز الأمني المستمر، وتشديد الرقابة على الاتصالات وحركة المعلومات وسلاسل القرار، والتعامل الصارم مع أي مظاهر تواطؤ أو تساهل مهما كان موقع صاحبها، إضافة إلى إبعاد الهواتف عن الاجتماعات وتوفير معدات التشويش والإنذار في المواقع الحساسة.
لا شك أن للدعم رعاة إقليميين وداعمين خارجيين، لكن تحميل الخارج كامل المسؤولية يُعد تبسيطًا مخلًا، فنجاح أي اختراق لا يتم إلا بوجود ثغرة داخلية مثل الإهمال أو الفساد أو ضعف الكفاءة أو الانقسام داخل مؤسسات الدولة، وما لم تتم مواجهة هذه الأسباب البنيوية بشجاعة فإن تكرار العمليات سيظل قائمًا كل يوم.
إصلاح الأجهزة الأمنية عملية ممتدة لا تعني فقط تغيير القيادات بل إعادة بناء العقيدة الأمنية على أساس حماية الدولة لا حماية الأشخاص، وتوحيد غرف القيادة والسيطرة، وإنهاء الازدواجية والتنافس غير الصحي بين الأجهزة النظامية، وإخضاع العمل الأمني لرقابة مؤسسية محترفة دون المساس بسرّيته.
في سياق الحرب والاختراق لا يجوز التعامل مع الاجتماعات السياسية والأمنية الرفيعة بذات القواعد القديمة، بل المطلوب بروتوكول أمني صارم يشمل كل منظومة الدولة مع التدريب وتغيير أنماط الحركة والتوقيتات وتقليل التسريبات الإعلامية وتأمين محيط الاجتماعات والربط المباشر بين الأجهزة الاستخبارية ووحدات الحماية الميدانية والاستعداد لسيناريوهات الطوارئ، بل والعودة للاجتماعات الافتراضية عبر تقانات آمنة لتقليل الخسائر والتحسب للأسوأ.
أهم درس من مسيرة سنجة وما يشابهها في مواقع حيوية كثيرة هو أن الحرب لم تنتهِ بعد حتى وإن تغيّر شكلها، فهي حرب تستهدف كسر الإرادة وبث الشك وإظهار الدولة بمظهر العاجز، لذلك فإن المطلوب في هذه المرحلة يتمثل في إعلان أمني واضح بأن الانتقال السياسي لن يتم على حساب السلامة العامة، وإعادة ترتيب الأولويات بحيث يكون الأمن أولًا ثم السياسة، وإشراك الخبرات الوطنية المستقلة في تقييم الأداء الأمني، وإرسال رسالة حازمة للداخل والخارج بأن الدولة تعلّمت من أخطائها. إن مسيرة سنجة ليست حادثة معزولة بل حلقة في سلسلة إنذارات متكررة، والفرق بين دولة تتماسك ودولة تتآكل هو قدرتها على تحويل الإنذارات إلى إصلاحات والأخطاء إلى دروس والتحديات إلى فرصة لإعادة البناء. فالانتقال إلى الخرطوم إن لم يُحاط بأقصى درجات الحيطة والحذر والترتيب الأمني المحكم ورفع الوعي الجمعي والإداري بمثل هذه الإجراءات سيفاقم من التبعات، بل قد يتحول من خطوة أمل إلى ثغرة جديدة في جسد الدولة المنهك.
والتاريخ لا يرحم الدول التي لا تتعلم، نعم للانتقال إلى الخرطوم وما ترسله هذه الخطوة من رسائل وغايات هادفة، ولكنها لابد أن تتبع بمنظومة أمان وترتيبات أمنية صارمة لحين استتباب الأمن وتوفر مطلوبات السلامة والتغطية الجوية والمضادات الأرضية في كل مدينة وموقع حيوي أو استراتيجي، وتظل سلامة المدنيين والأعيان المدنية غاية كبرى للدولة رغم كل التضحيات، يتوجب أن توظف لأجلها كل طاقة لتفادي المخاطر .
شارك هذا الموضوع











