حين ينطق السودان : قصة السقوط الأخير من البرقيق إلى الهروب الكبير

حين ينطق السودان : قصة السقوط الأخير من البرقيق إلى الهروب الكبير
السلطة نت – متابعات
تختصر بعض اللحظات تاريخاً كاملاً، وتؤدي عبارات قصيرة ما تعجز عنه الخطب الطويلة. تكفي الحقيقة حين تخرج من فم إنسان لم يعد يملك ما يخسره كي تسقط المسافة بين السلطة والواقع، وينكشف ما حاولت الدعاية الزائفة طويلاً أن تستره.
الثلاثاء الماضي، وخلال جولة تفقدية لقائد الانقلاب في محلية البرقيق بالولاية الشمالية، شملت سوق المدينة بعد حريقه والمشروعات الزراعية، وقفت امرأة سودانية بسيطة أمامه قبيل صعوده إلى الطائرة المروحية، وارتفع صوتها بوجع الحياة اليومية: “العيش حبتين بألف؟!”.
ثلاث كلمات أثقل في ميزان العدل من كل الهتافات الزائفة التي أحاطت بقائد الانقلاب. الخبز غالٍ، والحياة تضيق، والذين يُطلب منهم التصفيق يعجز بعضهم عن تأمين أبسط احتياجاتهم.
خرجت الجملة من قلب مشهد الاستقبال نفسه، فبينما كانت الحشود تهتف لقائد الانقلاب، ذكّرته امرأة واحدة بما لا تغيّره الهتافات. أوجزت المرأة لأن الجوع لا يحتاج إلى بلاغة، وحين تتكلم الحقيقة لا تستأذن الدعاية.
وطن ينهار ورغيف يفضح الخطاب
يعيش السودانيون الانهيار الاقتصادي اليوم في طوابير الأسواق، وفي أدوية يعجز المرضى عن شرائها، وفي أسر تعيد حساب نفقاتها كل صباح. وتؤكد أحدث الأرقام أن ما قالته المرأة يعكس واقعاً عاماً.
فقبل يوم واحد من الواقعة، في 19 أكتوبر، رفعت السلطات الدولار الجمركي بنسبة 29.5%، من 4346 إلى 5631 جنيهاً، في خامس تعديل على سعره منذ مطلع العام. وفي الوقت نفسه، بلغ الدولار في السوق الموازية مستوى قياسياً عند 9200 جنيه، ووصل في بعض التعاملات إلى 9300. وتضغط هذه القفزات على تكلفة استيراد السلع ومدخلات الإنتاج، وتفاقم الضغوط التضخمية على معيشة المواطنين.
وعلى مائدة الناس، يقدّر أحدث تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، للفترة من فبراير 2026 إلى يناير 2027، أن نحو 19.5 مليون سوداني، أي 41% من السكان، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم أكثر من 5 ملايين في حالة طوارئ غذائية و135 ألفاً في المرحلة الخامسة الكارثية.
وفي 13 أكتوبر الجاري، حذّر التصنيف من أن الجفاف ينتشر في نحو نصف الأراضي الزراعية في السودان بتأثير ظاهرة النينيو، وهو ما يقلص الطلب على العمالة الزراعية ويضر بأسواق الثروة الحيوانية، وهما مصدران أساسيان لدخل الأسر الفقيرة. وفي سبتمبر، وصف برنامج الأغذية العالمي السودان بأنه يواجه أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم، بنحو 20 مليون جائع و14 مليون نازح.
وكان البرنامج قد خفّض عدد المستفيدين من مساعداته من خمسة ملايين إلى نحو 3.5 ملايين شخص، في ظل فجوة تمويلية تبلغ 646 مليون دولار. وتوثّق هذه الأرقام حجم الكارثة التي صنعتها الحرب، وتفسّر لماذا صارت لقمة الخبز عنوان المعاناة اليومية.
وسوق البرقيق الذي زاره يجسّد هذا الانهيار. فقد التهم حريق اندلع مساء السبت 17 أكتوبر، نتيجة ماس كهربائي، ما بين 42 و73 دكاناً وكشكاً، وسط تكدس عشوائي للبضائع، وتوصيلات كهربائية غير منظمة، وغياب أدوات السلامة.
ولا تضم المدينة مركزاً ولا عربة إطفاء، فاضطر الدفاع المدني إلى القدوم متثاقلاً من دنقلا، على بُعد نحو 70 كيلومتراً، وواجه الأهالي النيران بجهود بدائية. وهكذا فقد التجار أرزاقهم في ساعات، في مدينة لا تملك حتى وسيلة لإطفاء سوقها.
تتشابك في الكارثة عوامل عدة، منها الحرب، وتدمير البنية الإنتاجية، وتعطّل التجارة، وتدهور العملة. غير أن تعقيد الأزمة يبقي المسؤولية السياسية على من يخوض الحرب، ولا يمنحها حق تحويل الحرب إلى ذريعة مفتوحة لتعليق الأسئلة. فالمواطن لا يستطيع أن يؤجل جوعه إلى حين اكتمال الترتيبات العسكرية، ولا يُطعم أطفاله بالوعود، ولا يدفع ثمن الدواء بالهتاف. والسلطة تُقاس بما تفعله في حياة الناس.
اختبار الحقيقة
تمثل مشاهد الاستقبال السياسي اختباراً لعلاقة الحاكم بالمواطن. تهتف الحشود، وتُرفع اللافتات، وتنتقي الكاميرات الزوايا الأجمل، ويبقى السؤال الحاسم، ماذا يجد المواطن حين يعود إلى بيته؟
يمكن الجزم بأن أي استقبال، مهما بلغ حجمه، لا يثبت رضا شعب يعاني الحرب والجوع والنزوح. فالحشود لا تقيس الرأي العام، والهتافات لا تقيس القوة الشرائية، والتصفيق لا يدل على رضا الناس عن أحوالهم. والمجتمع كتلة متنوعة، فمن يصفقون يمثلون أنفسهم، ومن يصمتون قد يحملون أثقل الشكاوى.
وأخطر ما يمكن أن تفعله السلطة بنفسها هو أن تصدق الصورة الكاذبة التي صُنعت لها، فتخلط بين حفاوة الاستقبال والرضا العام، وبين الولاء السياسي والقبول بالأداء، وبين الهتاف العابر والتفويض الحقيقي.
وحين تتقدم الدعاية على الإصغاء، تصبح السلطة أسيرة مشهدها الخاص، ترى ما تريد وتسمع ما تريد، ثم يفاجئها واقع لا يطيع الرواية الرسمية.
أعادت المرأة المشهد إلى ميزانه الحقيقي. تحدثت من معرفة صنعها السوق وحاجات البيت ونقود لم تعد تكفي ما كانت تكفيه بالأمس، فهي تعرف الاقتصاد دون شهادة جامعية.
يرى الخبراء في الاقتصاد نسباً ومؤشرات، وتراه هي حساباً يومياً، ماذا أشتري؟ ماذا أترك؟ كيف أواجه الغد إذا كانت حاجات اليوم فوق طاقتي؟
وتكمن شجاعتها في أنها قالت الحقيقة في لحظة كان المحيط السياسي يفضّل فيها سماع المديح. تملك السلطة المنصة والحراسة والإعلام وجدول الزيارة، وتملك المرأة شهادة صادرة من قلب المعاناة. تحدثت عن حاجة إنسانية لا يختلف عليها أحد، أن يجد الناس ما يأكلون.
وبهذا نقلت السياسة من الشعارات إلى المائدة، ومن لغة الانتصارات إلى لغة الضرورات، ومن صورة القائد إلى حياة المواطن، وصار السؤال بسيطاً إلى حد الإحراج، ما معنى كل هذه المظاهر إذا صار الخبز نفسه عبئاً؟
ولى هارباً
تُظهر المشاهد المتداولة للواقعة إطراق قائد الانقلاب رأسه خجلاً وخوراً بعد سماع العبارة، وولّى هارباً، كعادته، نحو مروحيته. وتبقى القيمة السياسية للمشهد قائمة، أياً كان تفسير حركة الرأس، فقد وُضع السؤال أمام القائد علناً وبأوضح صيغة ممكنة، الناس يريدون أن يعيشوا.
إن الصمت والهروب أمام سؤال معيشي واضح يتركان السؤال كما هو. فالخبز لا يرخص لأن المسؤول هرب، والجوع لا يتراجع لأن الكاميرا انتقلت إلى مشهد آخر، ولا تحمل المروحية صاحبها بعيداً عن سؤال ينتظره في كل مدينة.
في السودان اليوم أسئلة أكبر من مواكب السياسيين، وأثقل من بياناتهم، وأصدق من صور الاستقبال، كيف يعيش الناس؟ كيف يجدون غذاءهم؟ كيف يستعيدون مصادر رزقهم؟ وكيف تنتهي حرب جعلت الحياة نفسها معركة يومية؟
لم تقدم امرأة البرقيق برنامجاً اقتصادياً، ولم تدّعِ امتلاك الحلول، وقد فعلت ما يفعله المواطن حين تضيق المسافة بين حاجته وكرامته، قالت الحقيقة كما تعرفها. وبعبارتها أعادت ترتيب الأولويات.
ذكّرت السلطة بأن الخبز أحد أبسط معايير قدرتها على حماية مواطنيها، وذكّرت الحشود بأن التصفيق لا يملأ البطون، وأن المشهد السياسي، مهما بدا متماسكاً أمام الكاميرات، يظل ناقصاً ما دام غافلاً عن الواقع الذي يعيشه الناس خارج إطار الصورة.
شارك هذا الموضوع











