مقالات

القوني مصطفي : يكتب – البرهان في ميزان الأمم المتحدة

القوني مصطفي : يكتب – البرهان في ميزان الأمم المتحدة

السلطة نت – متابعات

​قلم: د. القوني مصطفى أبوبكر الشريف

(مندوب السودان الدائم للأمم المتحدة)

​كيف يستقيم الحديث عن السلام من أعلى منبر دولي، بينما لا تزال دماء المدنيين السودانيين تسيل بغزارة تحت وطأة الغارات الجوية وضربات المسيّرات؟ وكيف يمكن الفصل بين الدعوات الدبلوماسية للتهدئة، والاتهامات الخطيرة التي تلاحق القوات المسلحة السودانية بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين، وصولاً إلى التقارير المقلقة حول استخدام أسلحة محرمة دولياً في أتون هذه الحرب؟

هذا هو التناقض الجوهري والعميق بين الخطاب والممارسة؛ فالقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يجد نفسه محاصراً بسجل ثقيل من الضغوط الدولية. ففي يناير 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات رسمية عليه، مشيرة عبر وزارة الخزانة إلى أن القوات تحت قيادته نفذت هجمات دامية استهدفت البنى التحتية المحمية كالمدارس والمستشفيات والأسواق، فضلاً عن التقارير الأمريكية السابقة التي خلصت إلى ارتكاب أفراد من الجيش لجرائم حرب.

وفي ضوء هذه المعطيات، يفرض السؤال نفسه بقوة: ماذا كان البرهان ليقول للعالم من منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة؟ هل كان سيبشر بالسلام في بلد يكتوي بنار حرب مدمرة اشتعلت شرارتها في أبريل 2023؟ وهل كان سيتطرق إلى الانتقال الديمقراطي والمدني، متجاوزاً الإرث الثقيل لانقلاب أكتوبر 2021 الذي وأد المسار المدني المنبثق عن ثورة ديسمبر المجيدة؟ لقد خرج السودانيون حالمين بوطن تسوده الحرية، والسلام، والعدالة، وبنظام ديمقراطي حقيقي يحتضن الجميع. لكن البلاد، بدل بلوغ هذه الغاية، انزلقت إلى أتون أزمة إنسانية تُعد الأسوأ عالمياً، حيث تضررت البنية التحتية، وتشرّد الملايين، وتمزق النسيج الاجتماعي بفعل حرب عبثية.

وجاءت أزمة تأشيرة الدخول المخصصة لمشاركة البرهان في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة لتلقي بظلال سياسية كثيفة على المشهد. فوفقاً لوكالة “رويترز”، قامت الولايات المتحدة بحجب التأشيرة، رابطة إصدارها –بحسب مصادر مطلعة– بقبوله مقترحاً لهدنة إنسانية لمدة 90يوماً، في وقت غابت فيه التصريحات الرسمية الأمريكية المباشرة حول تفاصيل الأزمة.

غير أن الدلالة الأعمق تكمن في الموقف الأمريكي المُعلن الذي تجاوز مسألة التأشيرة برمّتها؛ إذ أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن القوات المسلحة السودانية لا تمثل حكماً شرعياً ودستورياً للسودان، مبدياً في الوقت ذاته استعداد واشنطن للتعاون مع أي “شريك جاد” لتحقيق السلام الحقيقي في البلاد، وهو موقف يتسق مع الضغوط السابقة الموجهة ضد البرهان بسبب عرقلة المساعدات وهجمات المدنيين.

ومع ذلك، تظل القضية أبعد بكثير من مجرد تأشيرة دخول أو كلمة على منبر أممي؛ إنها قضية مصير وطن وحق أصيل لشعب يطمح إلى حكم دستوري نابع من إرادته الحرة. لقد دفع السودانيون فادح الأثمان جراء الحروب والانقلابات المتتالية، وما يحتاجونه اليوم لا يتوقف عند حدود الخطابات الدبلوماسية المبررة للصراع، بل يمتد إلى وقف فوري وحقيقي لإطلاق النار، وضمان الوصول الآمن والمستدام للمساعدات الإنسانية، وإطلاق مسار سياسي شامل يعيد السلطة للمدنيين، وبناء دولة القانون والمؤسسات الوطنية التي تحمي المواطن لا أن تكون طرفاً في صراعه.

إن السودان لا يبتغي سوى السلام، والدولة المدنية الديمقراطية، ومؤسسات وطنية عادلة تضع حداً لمعاناة شعب أثقلته نكبات الصراع.

 

 

شارك هذا الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى